أحوال شخصية!

05 يوليو 2019

د. حسن عبدالله جوهر

بعد طول انتظار، وتحديداً منذ عام 1984، أقر قانون الأحوال الشخصية وفقاً للمذهب الجعفري، ليكمل بذلك البناء القانوني في المرفق القضائي فيما يخص الأحكام المتعلقة بشؤون الزواج والطلاق والإرث وتفاصيلها الدقيقة المبنية على أساس الشريعة الإسلامية، ولذا نجد أن القانون الجديد يتضمن مئات المواد تبعاً للأحكام والشروط التفصيلية المتعلقة بهذا الخصوص.

هذا القانون المستحق دستورياً انطلاقاً من مبادئ حرية الاعتقاد والتعبّد والحقوق المدنية لاتباع الفقه الجعفري، لم ينجز إلا بعد جهود مشكورة من أصحاب الاختصاص ومحاولات متواصلة ومساعي سياسية، استغلتها الحكومة، التي تعتبر مفتاح العبور بتشريعات من هذا القبيل، كسيف مسلط للابتزاز السياسي وكسب مواقف المواطنين الشيعة داخل وخارج مجلس الأمة، فكان لها ما أرادت على مدى عقود من الزمن، ولذلك فأن التحرّر من هذا الهاجس يفترض أن يكون منطلقاً لمزيد من الاهتمام بالقضايا ذات الشأن العام وخاصة فيما يخص مبادئ العدالة والمساواة وصون الأموال العامة ومواجهة الفساد الفاحش بكل أشكاله، فمثل هذه المواضيع لا تقل شأناً في قدسيتها الدينية ومبادئها الأخلاقية والشعور بالانتماء الوطني عن قانون الأحوال الشخصية، خاصة لاتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام التي جبلت على التقوى والشجاعة في الدفاع عن الحق والوقوف في وجه الظلم والباطل قولاً وعملاً.

من جهة ثانية، لابد من الإشادة بالأجواء الإيجابية التي مر في ظلها قانون الأحوال الشخصية طوال تدرجّه التشريعي، بدءً بتقديمه كاقتراح بمشاركة مجموعة متنوعة من النواب من مختلف المشارب، مروراً بمناقشته في اللجنة التشريعية مع جهات الاختصاص وأصحاب الشأن وانتهاءً بإقراره النهائي بأغلبية ساحقة في مجلس الأمة، كبادرة تعكس تفاهم وطني راقي من مختلف المكونات الشعبية، إلا ما ندر، فالقانون الجديد بتفاصيله يمثل مرجعية مهمة لدراسة الفقه المقارن بين المدارس الإسلامية المختلفة وإثراءً لباب الاجتهاد في المسائل الشرعية المتصلة بالعلاقات المجتمعية في وقتنا الراهن، ويبقى من الأهمية بمكان تقييم تطبيقه على أرض الواقع ورصد آثاره الاجتماعية في معالجة المشاكل الأسرية وحل الخلافات الاجتماعية والمالية في قضايا الإرث والوقف وغيرها.

لذلك لم يكن موقف القلة المعارضة للقانون، في رأيي، موفقاً سواءً على مستوى التصويت أو بعض المداخلات لا من المنطلق الديني أو السياسي، كما أن هذا التوجه السلبي لم يمثّل أي قيمة في إقرار القانون ولم يفلح في جر المعارضة النيابية الحالية، رغم اعتقادي من رهان الحكومة على إحداث هذا الفرز الطائفي، فكان التصويت الإيجابي لصالح القانون من جانب الأعضاء الثابتين على مواقفهم المعارضة مبدئياً في أغلب المواقف النيابية التفاتة جميلة لكسر مثل هذه المحاولة وخطوة ذكية لكشف تسلل أدعياء المعارضة الانتهازيين ممن لبسوا العباءة الحكومية منذ بداية المجلس الحالي، كما أضاف تصويت غالبية نواب القبائل بعداً جميلاً لهذه اللوحة الوطنية إلى جانب العديد من المستقلين والوطنيين.

أما الموقف اللافت فكان من بعض المنتمين إلى التيارات الدينية، فحملت مواقفهم رسالة سلبية في توقيتها ومضمونها كونها نابعة من قوى سياسية بيّنت افتقارها إلى مفهوم التسامح الديني ودورها المرتقب في مشاريع المصالحة الوطنية، أما من تعذر بالهوية المذهبية للدولة فكانت حجتهم سمجة كون أن هذا القانون لا يضر الآخرين من قريب أو بعيد، كما أن هذا التقسيم في خصوصية المذاهب أمر طبيعي في معظم الدول الإسلامية وأولها دول الخليج قاطبة ومصر ولبنان والعراق حيث تراعى نوعية الاقلية المذهبية فيها، كما أن المواطنين المسلمين في الدول الغربية يتم احترام خصوصيتهم الدينية ولم يتحولوا إلى دولة داخل دولة، ويبقى التفسير الوحيد لمواقف هؤلاء النواب أنها تمثل فقط أحوالهم الشخصية!