أسلمة الدستور أم العقول؟!

21 فبراير 2017

د. حسن عبدالله جوهر

مقدمو اقتراح تعديل المادة (79) من الدستور يعرفون أكثر من غيرهم بأن مصير هذه المبادرة قد باء بالفشل حتى قبل تقديمه، فلماذا الإصرار على ذلك سواءً من حيث الفكرة أو توقيتها؟

قد يفسر البعض أن محاولة إضفاء الغطاء الديني على الدستور مجرد التزام أدبي أمام الناخبين أو إسقاط التكليف الشرعي الخاص في هذا الجانب وإن لم يكتب لذلك النجاح، وفي المقابل قد يفسر آخرون بأن إقحام “أسلمة الدستور” في هذا التوقيت المبكر من عمر المجلس هو لإثبات الوجود السياسي أو لخلط الأوراق أو حتى محاولة لترتيب بعض الصفقات مع الحكومة، خاصة أن الحشد العددي لتأييد هذا المقترح سهل وسريع باعتباره شكل من أشكال الالتزام الديني والدفاع عن الإسلام.

لا أريد الخوض في الجدل العقيم حول هذه المسألة أو المزايدة حول القضايا الدينية أو إعلان الوصاية على الدين لأي طرف، وذلك لسببين أساسيين الأول أننا في بلد متنوع من حيث التعددية الفكرية والاجتماعية والرؤى السياسية تحت مظلة دستور مدني يسمح على الأقل في الحفاظ على هذه التعددية ولو في الحدود الدنيا، أما السبب الآخر فيتمثل في التعددية الدينية والطائفية في دولة الكويت التي تشتمل على ديانات متعددة كالإسلام والمسيحية وغيرهما إذا أضفنا الخلفيات الدينية للعديد من الوافدين، وحتى على صعيد الدين الإسلامي فهناك التنوع المذهبي بين الكويتيين، والأهم من ذلك أننا نعاني من حالة متصاعدة من التعصب والاحتقان الطائفي، وهذا من شأنه أن يثير الكثير من التساؤلات والشكوك حول الأسلمة السياسية.

إننا نفتخر ونتباهى بل ونحمد الله على الهداية لدينه الخاتم ونسأله الثبات على هذه العقيدة لأنها طوق النجاة كما نؤمن، ومن مسؤوليتنا وواجبنا الشرعي والأخلاقي أن نحافظ على مبادئ ديننا المقدسة ونشر مفاهيمها وتطبيق تعاليمها، ولا نزايد في ذلك ولا نقبل المزايدة علينا في ذلك، ولكن قد نختلف ونجتهد بتباين في آلية تجسيد تطبيقات الشريعة، فمجرد تغيير العناوين أو الشعارات وتلبيسها لباس الدين فهم سطحي وضحالة سياسية وفكرية خاصة إذا جاءت هذه الشعارات خاوية من مضامينها الحقيقية ومعانيها الأصلية.

الأهم من ذلك، أننا نعاني اليوم كمسلمين من أزمات ومعضلات خطيرة شوهت سمعة ديننا بل وخربت ديارنا وقتلت أبنائنا وجلبت لنا عار التطرف والإرهاب والنحر وحتى الاقتال الداخلي بين فصائل وأمراء الحرب وكل يزعم بالتحدث الحصري باسم الدين والشرع، فبالأمانة وانطلاقاً من أساسيات ديننا الحنيف أيهما الأولى هل مجرد استبدال عبارات شكلية على الدستور أو غيره، أم تجسيد معاني الإسلام في السلوك المتسامح وأدب الحوار وتجسيد حقيقة التعايش السلمي المشترك أي أسلمة العقول والقلوب؟ وأيهما أهم اليوم هل تغيير المادة (79) من الدستور أو تفعيل بقية مواد هذا الدستور في الحفاظ على حريات الناس وحماية أموال الدولة ومكافحة الفساد وترجمة الارتقاء بالنشء عبر التعليم وضمان المعيشة الكريمة للمواطنين، فهل الموقعين على طلب تنقيح الدستور وبعد علمهم بعدم نجاح هذا المسعى على استعداد لأسلمة بقية أبواب الدستور الكويتي بالقول والسلوك والممارسة السياسية؟ فعلاً ننتظر ذلك!