الجمعة 15 أغسطس 2008

أطلب العلم ولو في الصين!

د. حسن عبدالله جوهر

الصين بلد عملاق بالفطرة سواءً من الناحية الجغرافية أو من حيث الكثافة البشرية التي تشكل حوالي خمس من يعيش على كوكب الأرض، ولكن الهيبة العالمية التي سرقت أضوائها الصين قد تكون إحدى الفواصل المهمة في المسيرة التاريخية على الإطلاق.

وليس المقصود بنجومية الصين ما أبهرت به العالم من خلال افتتاح الأولمبياد، أو المنشآت الخارقة للتكنولوجيا الحديثة التي استحدثتها من العدم خلال شهور من الزمن، أو الاكتساح المنظم للميداليات الذهبية في الكثير من المنافسات الرياضية، فمثل هذه النجاحات هي ثمار لإرادة إنسانية زرعت بذرتها ثورة المنجل قبل نصف قرن فقط، وأصبحت انتفاضة الفلاحين تلك قوة “سوبر” اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً قد تكون في بدايات عطاءاتها وتفوقها العالمي ونفوذها على الكرة الأرضية. ورغم التاريخ الحضاري للصين كثقافة وإمبراطورية إلا أن ما ورثته هذه البلاد منهما عشية انقلاب ماو تسي تونغ كان عبارة عن عملاق بشري مترهل الجسم خاوي القوى منهك بالشيخوخة والفقر، وعملت الثورة معجزتها في تحويل هذا الجسد الكبير إلى عضلات مفتولة وقوام رشيق وعقلية ذكية تستحق الإشادة على أكثر من صعيد. وقد تكون إمكانات الصين من الأمواج البشرية الهائلة أحد أسرار ولادتها كقوة عظمى ناجحة من جديد وتحقيق ما يعرف بالمعجزة الاقتصادية حيث لم تقل نسبة النمو الاقتصادي فيها على مدى ربع قرن عن 13% وهذا رقم خيالي ومستحيل في النظريات الاقتصادية بل بلغت في الكثير من الأحيان إلى ما فوق الـ 20%! ولكن السر الأعظم في هذا النجاح الساحر يعود بالدرجة الأولى إلى عامل الإرادة الإنسانية وتحدي تحويل الحلم إلى واقع ونقل النظرية من البعد الفلسفي إلى خير التطبيق العملي مع مراجعة شاملة ومستمرة لتطوير الأفكار الماركسية والشيوعية والاشتراكية الجامدة إلى ما تحتاجه البشرية حقاً وليس حبسها في هرطقيات الفلسفة الملحدة والمعلبة.

والتحدي الذي اختاره الصينيون ونجحوا فيه هو أن الرأسمالية ليست بالضرورة العصا السحرية الوحيدة للتطور والتقدم المدني وليست النظرية الخاتمة لبناء حضارة إنسانية التي لا تقوم إلا بها، ولا أعني هنا بالتأكيد أن الرأسمالية لم تخلق إمبراطوريات ضخمة من الإبهار المدني والتفوق التقني والاستقرار السياسي والاجتماعي، فالتجربة الديمقراطية بلا أدنى شك أوصلت الإنسان إلى قمة العطاء والبناء، ولا أقول بأن الاشتراكية الصينية قد حوّلت الصين برمتها إلى جنة مادية ووجدانية على الأرض، ففي الصين كما في أوربا وشمال أمريكا من لا يجد قوت يومه ومن يموت يومياً من الجوع والعري، كما في الصين ما زالت الكثير من الأفواه مكممة الحرّيات والسجون السياسية مليئة بالمعارضين والأقليات الأثينية تعاني الأمرّين خلف كواليس هذا النجم الساطع! ولكن تبقى حقيقة نجاح التجربة والقدرة على التمسك بنظرية متكاملة وتجربتها واقعاً يدب على الأرض، ولم ينسَ الصينيون في أوج تألقهم حضارتهم الكنفوشية أو ديانتهم البوذية أو ثقافتهم البائدة، كما لم ينسَ الغرب في ظل نظريات الاقتصاد الحر وفلسفة آدم سميث ديانتهم المسيحية وإرثهم التاريخي.

وهذا الاستدلال المقارن هو لرثاء الحال على واقع الأمة العربية والإسلامية التي ضيّعت بوصلتها تماماَ، فضاعت شعوبها بين النهب المنظم والشره للثروات باسم الخصخصة والاقتصاد الحر تارة والفساد الأخطبوطي في ظل اقتصاديات الحكومات المركزية تارة أخرى، وفي ظل التأرجح بين تلك وذي وعبر ثورات وانقلابات ووعود لم تتوقف على مدى نصف قرن نجحنا فقط في جمع خصلة واحدة من تجربة الشرق والغرب، فإذا كان كبت حرّيات الأقليات في الحكم الشيوعي هو أحد الخصال السيئة الوحيدة في هذا النظام، وإذا كان الحرمان واليأس أحد العيوب الفتاكة بالأقليات الفقيرة في ظل الحكم الرأسمالي، فإن العرب والمسلمين اليوم في ظل النموذج الخاص بهم يعيشون حالة الكبت والفقر على نطاق أممي شاسع!