الجمعة 16 مايو 2008

أمير الوداع..

د. حسن عبدالله جوهر

رحل المغفور له الأمير الوالد سمو الشيخ سعد العبدالله الصباح إلى بارئه ورقد بسلام في ثرى وطن طالما تلذذ بخدمته في الحلوة والمرة ولم يتغير عطاؤه أو يتزحزح إخلاصه بالتقلبات والتطورات التي شهدتها الكويت قبل وبعد النفط وقبل وبعد الاستغلال وقبل وبعد العدوان الصدامي، فكان فارساً في كل المراحل وبطلاً وطنياً في جميع المناسبات.

وكان حب الكويت نابعاً من قلب صادق حيث كانت تلك الكلمة لا تراوح شفتيه في كل مجلس ولقاء ومع الجميع، وشهادة للتاريخ فقد كنت مع وفد برلماني برئاسة الرئيس الخرافي لمقابلة الأمير الوالد رحمه الله وهو في أصعب ظروفه المرضية وكانت الكلمات تخرج بصعوبة بالغة من حنجرته، ولكن في هذا اللقاء القصير جداً الذي لم يتجاوز بضع دقائق ذكر اسم الكويت والدعاء لها بالخير والدعوة للعمل من أجلها أكثر من عشرة مرات.

ولا نريد هنا تسطير مآثر المغفور له الشيخ سعد العبدالله، فأي مجال يسع خدمته على مدى ستة عقود تدرج خلالها في مختلف مواقع المسؤولية والعطاء حتى أصبح أميراً للبلاد، ولكن قد يكون من المناسب أن تستعرض بعض جوانب شخصيته كإنسان كان يتمتع بالتواصل فيزور ويزار وينزل إلى أعماق المواطنين في بيوتهم ومجالسهم يتعاطى مع الصغير والكبير بنفس الروح الأبوية والأخوية ويستقبل في ديوانه كل فرد من أفراد المجتمع ليس في الأعياد والمناسبات بل على مدار السنة وهو في سدة ولاية العهد ورئاسة مجلس الوزراء.

وعلى الرغم من بعض الانفعالات وتعابير الغضب التي تعلو محياه أثناء بعض المناقشات الحامية إلا أن تلك الابتسامة العريضة والمشهورة كانت سرعان ما تغلبه وتتمكن من قلبه ووجدانه خلال لحظات قليلة كتعبير واقعي عن صفاء النفس وشفافية الروح الكبيرة في داخله.

وكان الأمير الوالد مثالاً لقمة الولاء والوفاء لأخيه الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد رحمه الله في حفظ شرعية الكويت ورمزها في اللحظات الأولى للغزو الصدامي عام 1990، وكانت لفطنته وحكمته في تلك المواقف العصيبة بعد فضل الله ولطفه أن نكون مرة أخرى اليوم على أرضنا وبين أخواننا ننعم بظلها بالأمن والاستقرار والرخاء والحرية والاستقلال، فأين دين هذا في رقابنا تجاه هذا الرمز وذاك القلب الأبوي الحنون إلا برد هذا الجميل لهذه الأرض ومع بعضنا البعض إلا بالمحافظة عليها وطناً وملاذاً وذخراً وأمانة في أعناقنا.

وشاءت إرادة الله أن يكون موعدنا مع وداع الشيخ سعد قبل سنوات وليس بالأمس عندما فاضت روحه عن هذه الدنيا، فقد كانت أيام المرض الأخيرة هي ساعة الوداع عندما خسرت الكويت عطائها وبذله، وقد خيم الحزن الكبير قلب كل كويتي عندما ضرب الشيخ سعد العبدالله موعداً آخر مع الوداع كأمير للبلاد في يناير من عام 2005، وكان بالفعل أميراً للوداع قبل أن يودعنا للأبد وهذه المرة كوالد للجميع وأباً لكل الكويتيين ورمزاً للكويت وطناً وكياناً وتاريخاً، فوداعاً يا أبا فهد وإلى رحمة الله ورضوانه وإنا لله وإنا إليه راجعون.