أوهام التسلق السياسي!

20 فبراير 2018

د. حسن عبدالله جوهر

من أكثر مشاكلنا تعقيداً أن القضايا السياسية والاختلاف حولها، سواءً الدفاع عنها أو انتقادها، لا تأخذ المشهد الكويتي العام بعين الاعتبار، ولا تراعى خصوصيات مكونات المجتمع أو على الأقل الذوق السياسي العام، ولذلك فأن الأطراف كلها وبلا استثناء تتبنى العصبية والفزعة والتشفي تجاه بعضها، وعادة ما تنتهي صفحات كل قضية دون نتيجة حقيقية ولكنها بالتأكيد تساهم في المزيد من الاحتقان وتعميق الجراحات، مع علم الجميع بذلك.

موضوع دخول المجلس، أو اقتحامه كما يصر البعض، مجرد محطة رغم أهميتها في هذا السياق السياسي العام، وآخر مشاهد هذه القضية تجلت في صور الابتهاج والفرح لوقف تنفيذ عقوبة الحبس بحق المدانين لحين حكم التمييز، في مقابل غضب الأطراف الأخرى التي أعلنت عن فرحتها عند صدور أحكام الحبس بحقهم، وبمعنى آخر تغيرت المواقع لا أكثر في سيناريو متكرر وممل منذ عدة سنوات، ويشمل ذلك معظم الأحكام القضائية على خلفيات سياسية والتي شملت مختلف الأطياف والتوجهات، حيث التحريض والتشفي يقابله المظلومية مرة مع هذا الطرف وتارة مع الطرف الآخر.

مهما بلغت القضايا الخلافية يجب أن تبقى في إطارها القانوني أو السياسي، ولكن السؤال لماذا تسعى الأطراف إلى خلط الأوراق والاستشهاد بقضايا أخرى للقياس حولها أو لإظهار مظلوميتها بالمقارنة فيها أو استفزاز خصومها دون أي مبرر منطقي؟

قضية دخول المجلس تبقى قضية سياسية لها خلفياتها وتبعاتها وما زالت منظورة أمام القضاء، ويفترض أن يكون المدافعين عنها على قدر المسؤولية، فلا يتسلق البعض فجأة على حبالها وفي توقيت كانت المؤشرات كلها تدل على قرب انفراج مهم ولو بشكل جزئي، وإقحام البعد الطائفي، واستخدام بعض الشعارات الدينية لغرض المتاجرة السياسية لا ولن يخدم القضية خاصة في بعدها السياسي والمجتمعي، وما حدث في ساحة الإرادة خلال التجمع الأخير خير دليل على المتاجرة السياسية ليس فقط للطرف المدافع عن المسجونين من الشباب، بل حتى من قبل البعض في الطرف المقابل.

نعم المسجونين في قضية دخول المجلس لم يسرقوا الناقلات وغير الناقلات، ولكن من المخجل أن ينبهنا لذلك أولئك الذين كانت ألسنتهم لاصقة في حلوقهم بصمغ “السكوتين” عندما كانت قضايا المال العام تمثل الخطاب الوطني، ومن المخجل أن يعيب من “استذبح” وقت تلك السرقات للدفاع عن الحرامية على الساكتين عنها، فكلاهما كانوا في نفس المركب وكل لمصالحه الخاصة، ولا يحق لمثل هذه النماذج أن يتسلقوا على ظهر الناس لمجرد أن اختلفت مواقفهم ومصالحهم اليوم.

أما خطاب “هذولي عيالي” واستخدامه لمثل هذا الغرض وبأسلوب طائفي فهو بحد ذاته فعل قبيح لا يخدم سوى المزيد من الفرقة والاختلاف، ليس للفارق الكبير بين القضيتين ولكن لأن ذلك يبعدنا عن التركيز على أصل القضة ويجرنا إلى مستنقع الطائفية التي يبدو أن لا يحلو للبعض أن تخفت ناره ولو لأيام معدودة!

طالما قلنا إذا أردنا أن نغيّر خطابنا الوطني ونعيد بوصلتها إلى القضايا التي تهم الكويتيين كمواطنين ونحمي من خلالها مكتسباتنا السياسية وثرواتنا الوطنية وكرامتنا الإنسانية فأنه يجب علينا أن نتخلص من الشوائب التي لا يهدأ لها بال إلا بخلط الأوراق والتسلق نحو البطولة والنجومية الوهمية، مهما كانت الأسماء والمواقع والتوجهات السياسية، فبلدنا وشبابنا أهم وأغلى منهم كلهم!