إرث ربع قرن من الغزو!

04 أغسطس 2015

د. حسن عبدالله جوهر

بعد مرور ربع قرن على الخميس الأسود في 2/8/1990 لا زلنا نستذكر هذه الحادثة الأليمة بمرارة أكبر ونستعيد ذكريات الغزو العراقي والمشاهد الوطنية التي رسمها الكويتيون بحسرة كبيرة.

المفارقة المحزنة إننا دائماً نستشهد بالغزو ونعمل عكس دلالاته ونستعيد صورة اللحمة الوطنية ونمارس النقيض منها، ونستذكر وفاء الكويتيين وغيرتهم ونأتي بغير ذلك في سلوكنا وأقوالنا وأفعالنا، حتى حولنا هذا المنعطف الخطير إلى مجرد شماعة أو سلعة للمتاجرة السياسية الرخيصة.

لم نكن ككويتيين أول بلد يتم غزوه واحتلاله ولكن شتان ما بعد مرحلة الغزو والاحتلال، فالصين تم احتلالها ثلاثة مرات وهي اليوم أكبر عملاق سياسي واقتصادي في العالم، وألمانيا واليابان تم غزوهما واحتلالهما وهما عمودين رئيسيين في النظام الاقتصادي العالمي، وأوربا الشرقية والغربية تم غزوها واحتلالها ولكنها اليوم أكبر كيان لاتحاد قاري على وجه الأرض، هذه بعض صور التجارب الحديثة التي استفادت من تجربتها القاسية وخرجت كنموذج جديد ومتطور.

غزو الكويت، ورغم بعده الإجرامي البغيض، يعد أقصر احتلال في التاريخ لم يكمل سبعة شهور، والتجربة الوحيدة التي وقف العالم بأسره مؤيدة لها ومدافعة عنها، وكانت السيولة المالية طوال فترة الاحتلال تدير حياة الناس في الداخل والخارج، ولم يتسبب الغزو في تغيير النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، والفارق الوحيد الذي شكله عدوان صدام حسين أنه عزّز مفهوم التلاحم الداخلي والوحدة الوطنية والشعور الحقيقي بمعنى ضياع البلد عند الجميع.

اليوم وبعد مضي ربع قرن من الزمان لا نزال نشتكي من تردي الخدمات ونستنجد بالواسطة لحل مشاكلنا وقد تورمت ملفات الفساد بكل أنواعها وتراجعت تجربتنا الديمقراطية لتبقى في القاع، وقد يكون ذلك كله ما يمكن تحملّه مرحلياً ومعالجته بإرادة حقيقية، لكن أم المآسي التي ورثناها هي الفرقة الداخلية والانشقاق الوطني والتعددية القائمة على التطرف الطائفي والفئوي والمناطقي والقبلي، واستيراد مشاكل الآخرين من الخارج لضرب بعضنا البعض في الداخل.

صدام حسين كان عدونا المشترك وطغيانه وحّد جميع المشارب والطوائف، لكن اليوم خلقنا أعداء كثر لأنفسنا لأمور خاصة بمجتمعات أخرى فعادينا الأنظمة والشعوب بينما يطل البعض رأسه بلا حياء ليترحم على طاغية بغداد صدام حسين!

اليوم وبعد مرور 25 سنة على الاحتلال والقمع والقتل واستباحة الأعراض والممتلكات التي مررنا بقساوتها واكتوينا بنارها صرنا نشجّع ونحرض ونستبشر بما يتعرض له الناس في سوريا والعراق والبحرين واليمن ومصر وليبيا وغيرها من مآسي ودمار وقتل وتشريد بسبب اختلافاتهم الداخلية وكل طرف منا يرتضي لتلك الفئة أو الأخرى نفس المصائب التي عانينا منها، هذه هي المشاعر التي ورثناها عن تجربة الغزو فعلام نحتفل بها؟!