إعادة إعمار العراق!

23 يناير 2018

د. حسن عبدالله جوهر

استقرار العراق وازدهاره لا شك أنه يصب في مصلحة المنطقة وتحقيق منظومة الأمن الجماعي وعودة التوازن الإقليمي، فهذا البلد نال نصيبه وأكثر من الويلات والحروب ببعديها الداخلي والخارجي، لدرجة يمكن القول بأنه دمّر تماماً وتحولت أرض الرافدين إلى أشلاء ضاعت فيها قوة العراق ومركزيته في العمق العربي، كما أن الكثير من مصائب العراق كانت عبارة عن فواتير لفتن وصراعات خارجية على أرضه ودفع الشعب العراقي المغلوب على أمره ثمناً باهضاً لذلك.

آخر تلك الحروب كانت ضد داعش بكل غموضه وتعقيداته ومجازره وتنوعه الذي شمل العشرات من الجنسيات وبتمويل ودعم من العديد من الحكومات، وللأمانة فقد ضحى العراقيون بدماء شبابهم بشكل يفوق الوصف ليس فقط دفاعاً عن أنفسهم بل نيابة عن الجميع حيث بلغ الجشع الداعشي حد التبجح بالتهديد لابتلاع دول الخليج قاطبة.

أمام هذه الحقائق يعترض البعض على مبادرة الكويت لمشروع إعادة إعمار العراق لأسباب عديدة لعل أولها أن بلدنا أولى بالتنمية بعد سنوات طويلة عجاف سيما في وقت وصلنا فيه إلى الاقتراض لسد العجز بسبب تراجع أسعار النفط، كما قد يعني احتضان الكويت لهذا المؤتمر تقديم بعض التنازلات المالية وإسقاط الديون والتعويضات التي أقرها مجلس الأمن الدولي على جريمة الغزو العراقي عام 1990.

ويضيف البعض بأن من أهم أسباب المآسي في العراق الفساد الكبير الذي يعاني منه هذا البلد وضياع المليارات من الدولارات في جيوب المسؤولين وأرصدتهم على حساب بناء بلدهم وإنقاذ شعبهم الذي بات يعاني من الافتقار إلى أبسط أنواع البنية التحتية والخدمات العامة، وبالتالي فأن بوابة الإعمار تتمثل في الإصلاح السياسي ومكافحة الفساد وتطوير كفاءة الجهاز الإداري في هذا البلد الذي يزخر بالثروات بكل أنواعها ومن العقول واليد العاملة والكثافة البشرية بدلاً من الاعتماد على الغير.

إزاء هذه الآراء المتناقضة كيف يمكن الحكم على مشروع إعادة الإعمار في العراق، خاصة أن هناك العديد من المشاريع المشابهة التي أثمرت نتائج باهرة ليس على الصعيد الاقتصادي بل كسب الاستقرار والأمن الدوليين كما هو الحال في المانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية وإعادة إعمار أوربا الشرقية بعد الحرب الباردة، ولكن تبقى هناك متطلبات لهذا النجاح وفي مقدمتها المظلة السياسية النزيهة والمقتدرة.

إضافة إلى ذلك، فأن رعاية الكويت لمبادرة إعادة إعمار العراق لا يعني بالضرورة دفع الأموال وحسب، ومثل هذا المشروع بحاجة إلى تجاوب الدول المعينة خاصة الخليجية منها، والأهم من ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي حيث عشرات المليارات من أموال العراقيين إما محجوزة لديهم أو شفطوها عبر سنوات بعد زوال نظام صدام حسين، كما يجب أن تستثمر مثل هذا المشروع الضخم والاستفادة من عوائده وفق مبدأ الشراكة الاقتصادية والاعتماد المتبادل، وبالتأكيد في مثل هذه الحالة نحتاج ذات الإصلاح السياسي والنزاهة التي نطالب العراقيين بتحقيقها!