الجمعة 22 فبراير 2008

إكراماً لشهدائنا..

د. حسن عبدالله جوهر

أجواء الاحتقان والقلق التي سادت الشارع الكويتي على مدى الأيام القليلة الماضية وعصفت بمشاعر جميع المواطنين عبرت عن مشهد ثقيل في ملابساته وحزين في تداعياته وخطير في تبعاته ونتائجه، وعلى الرغم من أن تأبين عماد مغنية كانت هي الشرارة الرئيسية التي فتحت هذه الجبهة، إلا الموقف الحكومي بضعفه وتردده ومحاولات خلط الأوراق والنفخ الطائفي والزخم الإعلامي كانت بمثابة العاصفة التي حولت تلك الشرارة إلى لهب كبير ينبغي على كل مخلص في هذا البلد أن يلبي الدعوة للمشاركة في إخماده بأسرع ما يمكن.

وإننا إذ نؤكد رفضنا لحفل التأبين وإدانتنا لجريمة اختطاف طائرة الجابرية واحترامنا لروحي الشهيدين الكويتيين ومشاعر أسرتيهما وكذلك عموم أبناء هذا الشعب، تجسيداً لمبادئ ديننا المقدس في نبذ الإرهاب وترويع الآمنين ناهيك عن حرمة إراقة الدماء البريئة وانطلاقاً من الحس الإنساني والوازع الوجداني في تعريض حياة البشر لأي نوع من أنواع الأذى فما بالك بالقتل والتصفية البدنية، إلا أنه وفي ذات الوقت يجب ومن دواعي المسؤولية التاريخية والأمانة التي في أعناقنا ألا نسمح لخلق أرضية جديدة لمزيد من التطرف والإرهاب، فالكويت وشعبها دفعاً ثمناً غالياً لمختلف صور الإرهاب والعنف وأكاد أجزم بأن كل عائلة كويتية تعرف مذاق هذا السم الزعاف.

وإذا كانت ردود الفعل التلقائية أو حتى المصطنعة على تأبين مغنية قد آتت أكلها وسجلت موقفاً حازماً فقد آن الأوان أن تهدأ النفوس ويتدخل العقل والمنطق والقانون في معالجة الموقف، وليس الآن وقت توزيع أنواط الشجاعة وأوسمة الوطنية وشهادات الشرف والولاء أو التحريض وبث روح الفرقة والفتنة.

فقضية الجابرية وكما أثبت أحداث الأيام الأخيرة كانت على مدى عقدين من الزمن محور ارتكاز للوحدة الوطنية، فلنبقيها عموداً من أعمدة الوفاء والتماسك في الظروف العصيبة، ولعلنا جميعاً كنا نتمنى ألا يقام ذلك التأبين بل كنا نتمنى تدخل الحكومة في منعه وكنا نتمنى أن تعلن الحكومة موقفاً رسمياً واضحاًُ منذ اليوم الأول وأن تتبنى خطاباً وطنياً تحتوى الجميع تحت عباءته.

ولكن ومع كل هذا التقصير وسوء التدبير يبقى لدينا وعاء منير مزج دماء شهدائنا بمختلف انتماءاتهم المذهبية والقبلية والاجتماعية يمكن أن نستنير به في امتصاص هذا الاحتقان واحتواء هذا الموقف وتفويت الفرصة على الفتن المتربصة بنا، ويضم هذا الوعاء بيت القرين الذي سالت على جدرانه دماء الشيعة والسنة معاً، ومقابر العراق الجماعية التي اختلطت بها أجساد شهدائنا ونسجت رفاتهم لحمة وطنية شامخة، وساحة منطقة حولي التي شهدت بسالة خيرة ضباط وأفراد الداخلية وهم يهدون أرواحهم فداءً للوطن في وجه الإرهاب المحلي، ومثل هذه الصور البليغة قد تهدئ نشوة الفخر بها حزننا على فراقهم وخسارتهم.

نعم.. قد تكون العواطف في مثل هذه الأجواء بلسم للجرح الكبير ورأب للصدع الخطير، وقد تكون المشاعر أصدق من محاولات فتح صفحات التراشق ونبش الملفات القديمة وتبادل التهم والسعي خلف الاستدلال عليها بشواهد ومواقف وزلات وأخطاء، فمثل هذا الأرشيف المنتفخ ومع الأسف الشديد لن يزيد جراحنا إلا ألماً ووحدة صفنا إلا هتكاً وترمينا إلى أتون الاستقطاب الطائفي والتعصبي عمقاً، وبدلاً من ذلك فأن العقل والمنطق والحكمة والمسؤولية الملقاة على عاتقنا من مليون ونصف مواطن توجب علينا جميعنا أن نوفر لهم مستقبلاً أكثر أمناً وبلداً يتدفق حباً ومودة ورحمة.