إيران..العروس النووي!

17 يوليو 2015

د. حسن عبدالله جوهر

منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كان النظام في طهران يمثل محور الشر ومصدر الإزعاج الأول في منطقة الخليج والشرق الأوسط والعالم بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها في أوربا الغربية، ورصد المسكر الأمريكي مئات المليارات من الدولارات وشارك بالعتاد الحربي والمعلومات الاستخباراتية والمقاطعة الاقتصادية للإطاحة بالحكم الثوري، وألقى بكل ثقله في الحرب الطاحنة التي امتدت لنحو عقد من الزمن خلف صدام حسين لتدمير هذا البلد لدرجة تحول معها صدام إلى غول يهدد كل جيرانه وما زالت المنطقة تدفع فواتير ذلك غالياً.

فجأة وبعد الاتفاق النووي يصطف زعماء أوربا لزيارة طهران ويحلم الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأمنية رئاسته للذهاب إلى الجمهورية الإسلامية، وإيران الشر تحوّلت بقدرة قادر إلى عروس نووي الكل يتودد في خطبتها والتقرب منها لأنها الآن أجمل فتاة في العالم وتملك ثروة مالية وإستراتيجية لا يعلمها إلا الراسخون في علم الاقتصاد والمصالح التجارية.

الدبلوماسية الإيرانية المتوارثة بالصبر والتأني وطول البال أثبتت جدارتها وتفوقها في مقابل أقوى ستة دول في العالم بقيادة الولايات المتحدة، وإيران المحاصرة والمعاقبة طورّت ذاتها بذاتها وتفوقت على نفسها بجهودها القومية لتصبح قوة اقتصادية وذات مكانة علمية في الفضاء والطب والتكنولوجيا والصناعة انتهاءً بالتفوق العسكري وبلغت النادي النووي دون منة الغرب.

الغرب اليوم يتودد إلى إيران بنفس الشراسة التي كانت تواجهها بها وبنهم غريب في ظل التدهور الاقتصادي واحتمالات انهيار منظومة اليورو والانحسار الأمريكي عالمياً، فالفرنسيون تحديداً كانوا الأشد والأعنف حتى آخر رمق في المفاوضات النووية ومع ذلك يتباهى رئيس الوزراء الفرنسي بأنه سوف يكون أول مسؤول يزور إيران لإبرام اتفاقيات تجارية وإيجاد موطئ قدم هناك، والشركات النفطية الأمريكية لم تنتظر حتى الإتفاق النهائي وهرولت إلى طهران قبل عدة أسابيع، والألمان بانتظار تأشيرة الدخول والقائمة تمتد لكل بنى “سام”!

لكن على إيران وهي في نشوة الانتصار السياسي ألا تستعجل في فتح أبوابها “للشيطان الأكبر” وأخوانه، وبمقدور الحكومة الإيرانية أن تذل من حاربها وقاطعها وشارك بسفك دماء الإيرانيين وهدم بيوتهم على رأسهم وأن تكون انتقائية لآخر درجة، فالعروس الدلوعة من طبعها أن ترفض كل الخطاّب وأن تبحث عن أي عذر لطردهم وأن تتشرّط كما تشاء، فرفع العقوبات يتيح لها أن تتعامل مع أسواق العالم بكل أريحية، ولذلك قد يكون من الأفضل سياسياً واستراتيجياً أن تبدأ إيران بالدول الغربية الأسهل كأستراليا وكندا وألمانيا واليابان وأن تعزّز بناء استراتيجيها مع حلفائها الذين لم يتخلوا عنها مثل روسيا والصين والشرق الواعد.

كما أن غياب الهاجس النووي العسكري عامل مهم لإعادة جسور الثقة مع منطقة الخليج وبفهم أمني إقليمي مشترك وسط التهديدات الجديدة المشتركة وذات الطابع الإرهابي العنيف، فالأمريكان لم يعودوا الأم الحنون لدول الخليج العربية ووجودهم بات ثقيلاً على شعوب المنطقة وكذلك إحساسهم الذاتي، فلا يترك لهم المجال بأن يدخلوا علينا من الشباك مجدداً، حتى يراجعوا حساباتهم واحترام أولويات دول المنطقة ومصالحها ومستقبل شعوبها وإن تطلّب ذلك مفاوضات ماراثونية جديدة!