الخميس 09 أغسطس 2007

ابله” رايس والدرس الخصوصي!

د. حسن عبدالله جوهر

إعلان الإدارة الأمريكية عن صفقة السلاح الخيالية لمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي تحديداً يرسم خريطة واضحة لمفهوم الفوضى الخلاقة التي يتفرد برسم تفاصيلها وأدق خيوطها لاعب واحد، فالجانب الأمريكي لم يكتف بفرض حجم هذه الصفقة وقيمتها وكمياتها ونوعيتها وجدول تسليمها وأهدافها الحربية وتوزيعها الجغرافي دونما أي حساب للاعتبارات الأمنية والعسكرية والسياسية لدول المنطقة العربية فحسب، بل قامت وزيرة الخارجية رايس بجمع المسؤولين العرب وفي محاضرة واحدة ألقت عليهم هذا المنهج الضخم والرهيب وأعطتهم الواجب المنزلي لمراجعة الدرس وتكييف سياساتهم وقراراتهم المستقبلية على ضوء الإستراتيجية الأمريكية.

ووجه العدالة الوحيد في هذه الصفقة أن الحكومة الأمريكية قسمتها بإنصاف حيث خصصت لإسرائيل أسلحة بقيمة 30 مليار دولار وللعرب مجتمعين 30 مليار دولار أخرى! أما بقية أبعاد الصفقة فتجسد قمة الإهانة السياسية للدول العربية وشعوبها وحكومتها.

فبينما الأسلحة الإسرائيلية هي الأكثر تطوراً وذات قدرات قتالية هجومية وتصل مداها إلى أي نقطة في الشرق الأوسط، فأن الأمريكان هم الذين حددوا حجم الأسلحة العربية ومداها واختاروا المواقع التي تصل إليها وقدروا حتى مناطق تخزينها وفق اعتبارات أمن إسرائيل!!

ومن ناحية ثانية، ربطت الإدارة الأمريكية صفقة السلاح الخليجي تحديداً بعنوان أمن المنطقة وليس أمن دول مجلس التعاون الخليجي بالذات، وهنا تكمن خباثة الإدارة الحالية ليس فقط تجاه ما تزعم بحلفائها الخليجيين بل حتى ضد المؤسسات الأمريكية نفسها، فحكومة بوش اشترطت بأن الأسلحة العربية ستكون موجهة فقط ضد إيران وسورية وحزب الله وحماس رغم أن الكونغرس الأمريكي الجديد أصدر قراراً استباقياً برفض أية حرب أخرى ضد إيران وسوريا بعد قراره بسحب القوات الأمريكية من العراق، بل أن الكفة الشعبية في الولايات المتحدة ترجح بقوة فوز الديمقراطيين بالبيت الأبيض في الانتخابات القادمة والإدارات الديمقراطية لا تميل بطبعها إلى الدخول في حروب خارجية، ولذلك فأن القراءة الوحيدة لسياسة بوش- رايس هي إقحام الدول العربية في حروب بالوكالة ضد إيران وسوريا مع التحكم بتوقيتها ومساراتها.

أن قيمة الصفقة العسكرية رغم ضخامتها التي تقدر بـ 30 مليار دولار في ظل أسعار النفط والوفرة الهائلة بل ومقارنة على مجمل الإنفاق العسكري المجنون الذي تجاوز الـ 300 مليار دولار خلال العقود الثلاثة الماضية قد لا تعني الشيء الكثير في الموازانات المالية لدول الخليج، وبالتأكيد فأن مشاريع التنمية في ظل التوسع الهائل التي تشهده المنطقة والنمو البشري الكبير بأمس الحاجة لها، ولكن بعدها السياسي هو الأخطر والأهم.

فإذا كان الأمريكان يريدون الحرب ضد إيران أو سورية فلماذا لا يذهبون لها مباشرة ولماذا تفوض لدول الخليج ومصر والأردن بذلك؟ وعلى هذه الدول أن تعي بأن الماكينة الحربية الأمريكية لم تجد نفعاً أو حسماً في حروبها الخارجية وآخرها أفغانستان والعراق، فها هي الحكومة الأمريكية تفاوض خصومها وأعدائها من طالبان والبعثيين وإيران وسوريا للخروج بحلول سياسية من مأزقها الأمني.

وأخيراً، عندما تقول “أبله” رايس بأن صفقة الأسلحة المليارية هي رسالة إلى دول الخليج بأنها يمكن الاعتماد علينا في أي وقت، فلماذا هذا الاعتماد لا يكون إلا بمبلغ 20 مليار دولار، ولماذا لا نجرؤ على الرد عليها “كثر خيرك وجزاك الله كل خير”، ونحن نثق بهذا الاعتماد وإذا احتجناكم فعندنا أرقام “الخط الساخن” وبالتأكيد سوف نتصل عليكم لدرء أي خطر ونحن مستعدون بدفع فواتير ذلك عن طيب خاطر، وتجربة الغزو العراقي خير دليل على ذلك حيث لم تتجاوز فاتورة دول مجلس التعاون مجتمعة في حرب تحرير الكويت 10 مليار دولار!!