استنزاف الجهود لإبقاء الجمود!

29 ديسمبر 2017

د. حسن عبدالله جوهر

بعد مرور 56 على صدور الدستور وتعاقب 15 مجلس أمة منتخب وأكثر من 40 حكومة، لا زلنا ننشغل بأبجديات العمل السياسي ومسائل تطبيق القانون والحقوق الدستورية في ظل هاجس تجسيد مفهوم المواطنة الواحدة، وما زال معظم الخطاب العام يستعرض مختلف صور وشواهد الظلم وانعدام عدم تكافؤ الفرص والمطالبة بإرساء قواعد العدالة، وما زال مفهوم الولاء تحيكه أيادي خياطي السياسة كل بحسب رأيه ومزاجه ومصلحته الخاصة.

بعد هذه السنوات الطويلة الكفيلة بتحقيق المعجزات في مسيرة الشعوب والتعملق في مجال التنمية والتقدم والحياة المدنية المثالية أو شبه المثالية كما هو الحال في أمم دمرتها الحروب مثل المانيا واليابان، أو تلك التي ولدت في نفس مستشفى الولادة العالمي التي ولدنا فيها كدولة سياسياً مثل سنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية، لا نزال ندور في حلقة دائرية مغلقة، ومفرداتها المتكررة دوماً هي الشيعة والسنة والحضر والبدو والأصيل والبيسري، وما زال رموز كل فئة يجدون أنفسهم متقوقعين داخل هذا الإطار الضيق، تحت ضغط شديد من قواعدهم التي تطالب بنصرتها وحمايتها الغائبة أو المغيبة من قبل الدولة ودستورها وقواعدها القانونية والمؤتمنين عليها.

محصلة هذا الشعور الاغترابي في بلد واحد هي بالتأكيد استمرار حالة الاحتقان والشك والريبة واستنزاف الجهد والوقت والتفكير وحتى مستوى العطاء في قضايا يفترض أن تكون هامشية أو طارئة أو محدودة على أقل التقديرات.

هذا التشتت بدوره يبعثر أيضاً جهود العمل الجماعي في التصدي للقضايا الكلية والمصيرية التي تحدد حاضر ومستقبل بلدنا بمختلف التحديات والصعوبات والمخططات التي تحاك من أجل استنزافها وامتصاص ثرواتها ومشاريعها، ولذلك فأنه من الطبيعي جداً أن لا نجد أية بوادر أو رؤى لخطط أو برامج انتمائية حقيقة، ومن البديهي أن نعيش هذا المستوى المتدني من الخدمات العامة التي تقدمها للدولة لمواطنيها، ومن غير المستغرب أن نرى حقوق المواطن ومكتسباته وحقه في الوظيفة أو التدرج فيها، أو العلاج في الخارج أو تبني مشروع تجاري على قد الحال، يجب أن تسير في قنوات خاصة ويشترط أن يسعى النواب أو أصحاب النفوذ والخطوة بشكل شخصي جداً من أجل تحقيقها وبالذات للمكون الاجتماعي أو المذهبي الذي ينتمي له.

إذا كانت هذه هي طبيعة الحياة اليومية للمواطن أو النائب أو الوجيه الاجتماعي أو التاجر، وهي الدوران في هذه الحلقة الصغيرة، فمن المؤكد ألا يبقى من قوة التركيز والنشاط الذهني والجسماني وحتى الوقت الكافي لمتابعة القضايا المعقدة والكبيرة مثل التنمية وخططها، أو التصدي للآفات الإدارية المتمثلة في الفساد، أو الانتباه للقرارات المفاجئة التي من شأنها أن تخرب بيوتات كثيرة من كل الكويتيين كزيادة أسعار الوقود أو فرض قانون القيمة المضافة أو تخفيض الرواتب والأجور، ناهيك عن السرقات المليونية بشكل روتيني التي صرنا نقرأها كخبر الوفيات نسترجع عند سماعها وكفى!