الجمعة 25 أبريل 2008

الانتخابات الديجيتال!

د. حسن عبدالله جوهر

الانتخابات عموماً هي لغة الأرقام التي تحسم كل شي في نهاية المطاف، وكما يقال في المصطلح الإحصائي فأن الأرقام تتحدث عن نفسها دونما تحيز، فهي تعكس مكامن القوة والضعف ومراكز الثقل بأنواعه المختلفة، وأخيراً فأن الأرقام هي القادرة على رسم صورة أوضح للخارطة السياسية ثلاثية الأبعاد.

والانتخابات القادمة في ظل التقسيمة الخماسية للدوائر قد يصعب التكهن بنتائجها مبكراً ليس فقط كونها تجربة جديدة فحسب بل لأسباب أخرى منها الاستقطاب السريع حول الانتماءات الضيقة والمباشرة كالقبلية والمذهبية والعائلية لدواعي ضيق الوقت أحياناً، ومنها حق اختيار الناخب لأربعة مرشحين مما قد يسهل عدد من الاختراقات والمفاجآت، وأخيراً بسبب تقارب الأصوات بين الفائزين العشرة في كل دائرة وبينهم وبين من قد لا يحالفهم الفوز أيضاً.

ومن هنا فأن نتائج الانتخابات القادمة بمجمل أرقامها يجب أن تخضع لتحليلات ودراسات إحصائية شاملة ودقيقة، وهذا ما سوف يعكف عليه المرشحون أنفسهم والتيارات المختلفة بالتأكيد من أجل الاستعداد للانتخابات التي تلي عام 2008، في حين أن المعني بالدرجة الأولى في تحليل مثل هذه النتائج الرقمية أو ما يصطلح عليها (الديجيتال) كتعبير عن الدقة المتناهية هي الحكومة.

ومن المؤكد أن الحكومة لديها أرشيف من هذه الأرقام وتوزيعاتها على أكثر من صعيد، بدليل الإحصائيات التي سربتها مؤخراً بأعداد ونسب كل قبيلة وطائفة في الدوائر الجديدة، ولكن يبدو أنها تحتفظ بها للإمساك بقواعد اللعبة وتكتيكااتها وتسخيرها لحسابات خاصة!

ولذا نتمنى على الأقل أن تبادر الحكومة بفرز أوراق الاقتراع الأصلية كاملة تبعاً للأصوات المشتركة بين المرشحين في كل دائرة وتقوم بنشر ذلك، فمثل هذا الجهد الذي لا يكلف الحكومة شيء من شأنه أن يبين الكثير من التوجهات ومراكز الثقل ودرجات الاصطفاف المختلفة في المجتمع الكويتي إضافة إلى إمكانية قياس أشكال عديدة من مؤشرات واتجاهات الرأي العام حتى في داخل الأطياف الكويتية ذاتها.

فهذه المؤشرات الرقمية يمكن أن تترجم لنا جميعاً مدى الترابط الاجتماعي وقياس نقاط الضعف فيه، ومن ثم العمل على تعزيزه إن تتطلب ذلك، رغم تأكدي من ذلك، بخطاب سياسي وإعلامي جديد أو من خلال تشريعات إضافية كثل فرض مبدأ القوائم الانتخابية وإلزامية التصويت لها مجتمعة لبناء جسور تربط مختلف المكونات الكويتية عبر رؤى سياسية وفكرية ووطنية أكثر شمولية وأوسع في خطابها الشعبي العام.

فالدوائر الانتخابية الجديدة، وإن كان الغرض من إقرارها نبيلاً، خاصة في ما يتعلق بالحد من بعض الظواهر المسيئة للديمقراطية كشراء الأصوات والفرعيات، إلا أن التجربة الحالية قد لا تكون ناجحة لدرجة مثالية على هذا الصعيد، والفرعيات قد تمت في بعض المناطق ولكنها ارتكبت في مناطق أخرى بل حتى تم الانقلاب على بعضها في الدوائر التي أجريت وأعلنت نتائجها فيها، وبالمثل ما زالت عمليات شراء الذمم جارية ولكنها أصبحت مكشوفة ومرصودة أكثر بل كلفت البعض ثمناً باهظاً سياسياً وإعلامياً، وهذه علامات مهمة بأننا نسير في الاتجاه الصحيح ويمكن تعزيزها مستقبلاً بشكل أفضل إذا ما تم قراءة نتائج الانتخابات القادمة بدقة رقمية وموضوعية علمية.