البدع الدستورية والمواقف الحكومية!

09 يونيو 2015

د. حسن عبدالله جوهر

الصخب الإعلامي الذي فجّر وسائل التواصل الاجتماعي طوال الأيام القليلة الماضية بحاجة إلى وقفة جديّة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لما تبقى من هيبة الدولة والنظام السياسي فيها، بل على الحكومة تحديداً أن توقف مثل هذه المهازل التي تنال بالدرجة الأولى من قيمتها ومكانتها ومسؤوليتها السياسية والدستورية.

أن ما يثار بين فترة وأخرى من إشاعات أو تسريبات أو حتى محاولات لجس نبض الشارع في استحداث مناصب دستورية وتغييرات جوهرية في بنية نظام الحكم، وخصوصاً منصب ولي ولي العهد، لا يتعدى كونه مسلسل ذو نكهة الدراما السوداء، ولا يحمل أية دلالات سوى إشغال الناس بعضهم ببعض، أو صرف الأنظار عن ما هو أعظم من قضايا ومشاكل وفضائح نخرت بعظام البلاد ومؤسساته وقراراته، وهذا ما يحدث تماماً كلما أعيد نشر هذه القصة المحبكة بمجموعة من الشخصيات الوهمية كالزعفراني “اللي جذبته صج” و “اللي عروقه بالماي” ومن يتحدى الجميع بأن معلوماته “مسمار بلوح”.

أن ما يؤكد نجاح حالة الهيجان في أوساط الناس عبر التويتر والواتس آب هو تكرار نشر مثل هذه المعلومات كل عدة شهور بالتزامن مع أحداث مهمة تعصف بالديرة أو محيطها الإقليمي، حيث تتزاحم البلاوي بدءً من تفجّر ملفات الفساد وتقارير تضخم حسابات النواب والحيازات الزراعية المشبوهة وتراجع أسعار النفط والتخبطات الإدارية في تعيين القياديين وانتهاءً بالأوضاع المتفجرة في اليمن وامتداد داعش ووصول إرهابه إلى قلب منطقة الخليج!

أن الاعتراض هنا ليس على المغردين ومرتادي التواصل الاجتماعي، ولا يمكن وقف عاصفة تدفق المعلومات أو كبح حرية التعبير عن الرأي ولا القضاء على المعاكسات والمشاكسات السياسية الكترونياً، ولكن طرح قضايا مثل استحداث منصب ولي ولي العهد التي لم ينزل الله بها من سلطان ولا يمكن تسويقها ولا تخريجها بأي شكل من الأشكال من الناحية الدستورية وإجراءاتها البينة، وتناول هذا الموضوع على مدى واسع واعتباره قراراً محسوماً أمام الصمت الحكومي المريب هو بيت القصيد، فأين الموقف الرسمي للحكومة ولماذا تنتشر هذه التسريبات في هذا الوقت بالتحديد؟!

الحكومة اليوم وأمام مجلس أمة ضعف بمقدورها اتخاذ أي قرار وتمرير أي موضوع أو إعادة تشكيل السلطة التنفيذية كامل طاقمها دون أي عناء، بل علاوة على ذلك تستطيع الحكومة في ظل  التركيبة الحالية للبرلمان حتى اقتراح تنقيح الدستور واختلاق ما تشاء من مناصب، ولذا فهي ليست بحاجة إلى تبني أو تشجيع مثل هذه الأجواء التي تزيد حالة الاحتقان وتبقي الناس في دوامة من التشويش وضرب الأخماس بالأسداس، بينما تمر قوانينها الخانقة للحريات مثل المرئي والمسموع والنشر الالكتروني بكل سهولة في الوقت الذي تستمر فيه حرب التويتر حيث يضرب الناس برأس بعضهم البعض في هستيريا مجنونة!