التأمين الصحي للمتقاعدين.. بالأرقام!

30 سبتمبر 2016

د. حسن عبدالله جوهر

تم تناول قانون التأمين الصحي للمتقاعدين من عدة جوانب غالبها يتعلق بالبعد السياسي ومدى تلبيته لاحتياجات المتقاعدين الفعلية في العلاج والرعاية الطبية المناسبة، وبشكل إجمالي جاءت ردود الفعل سلبية جداً تجاه القانون، فكالعادة فأن الحس الفكاهي والاسقاطات الساخرة كانت سيد الموقف، خاصة فيما يتعلق بالبند الخاص بتغطية الحمل والولادة، وهو أمر بلا شك مثير للغضب والاستهجان.

لا نلوم الرأي العام الكويتي المحبط وردة فعل الغالبية من المواطنين على الكثير من القرارات الحكومية أو التشريعات النيابية التي باتت تفصّل وفق قياسات تنفيعية خاصة، ولا نلوم ارتفاع وتيرة الغضب جراء توقيت هذه المنافع مع سياسات التقشف ومحاولات استغلال المواطن العادي تارة في جعله البقرة الحلوب ومد اليد إلى جيبه مباشرة عبر زيادة الأسعار ورفع الدعم الحكومي عن بعض السلع والخدمات وربما يصل الأمر إلى تقليص الرواتب، وتارة أخرى من خلال استغلال هذا المواطن نفسه باسم تقديم الخدمات له عبر قوانين مثل التأمين الصحي.

لنرى عبر لغة الأرقام مدى استغلال المتقاعدين باسم التأمين الصحي، حيث يصل عدد المؤمن عليهم 107 آلاف مواطن ومواطنة من الفئات العمرية المختلفة، وقيمة التأمين على كل متقاعد تساوي 700 دينار أي ما مجموعة 75 مليون دينار سنوياً، ومقابل كل مؤمن عليه يبلغ رصيد التأمين على علاجه 17 ألف دينار سنوياً أي ما مجموعه نحو 2 مليار دينار!

إذا أخذنا التقسيمة العمرية للمتقاعدين، بحسب إحصائيات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية فأن العدد الإجمالي للمتقاعدين فوق عمر الستين سنة يبلغ 28,500 مواطن لا غير أي ما نسبته 26% فقط من مجموع المتقاعدين، وهذه الشريحة يفترض أنها الأكثر عرضة للأمراض والحاجة إلى رعاية طبية حقيقية، في حين أن ثلاثة أرباع المتقاعدين يفترض أن يكونوا بحالة صحية طبيعية بوجه عام، ومعنى ذلك أن 75% من المبلغ الخيالي المرصود للتأمين، أي مليار وربع دينار سوف يكون بمثابة وديعة ثابتة سنوياً لشركات التأمين والمستشفيات الخاصة.

من الجانب الطبي فأن الخدمات التي تقدم من خلال قانون التأمين الصحي للمتقاعدين لا تتجاوز ستة أنواع من الرعاية الأولية باستثناء الجراحة ودخول المستشفى، وهي خدمات عادية جداً لا تختلف عن ما تقدمه المستوصفات أو المراكز الصحية في الكويت، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن حوالي 90 ألف من المتقاعدين وهم دون سن الستين من المستفيدين من هذه الرعاية البسيط،  فأن ميزانية وقدرها مليار ونصف مليار دينار سنوياً سوف تصب في جيوب العيادات والمستشفيات الخاصة، وهذا الرقم يفوق ميزانية وزارة الصحة! أما العمليات الصعبة والحالات الطارئة والعناية المركزة، وهي ذات الكلفة العالية، فسوف تحولها المستشفيات الخاصة مباشرة إلى القطاع الحكومي بحجة عدم توفر الإمكانيات، وباختصار فأن قانون التأمين الصحي سوف يصرف ما قيمته 2 مليار دينار على القطاع الخاص لعلاج حالات الانفلونزا والكحة وتسوس الإنسان بميزة واحدة فقط وهي الخدمة الراقية والابتسامة العريضة من قبل مسؤولي العلاقات العامة والهيئة التمريضية!

أليس الأولى أن تكون هذه المبالغ مخصصة لبناء أكبر المدن الطبية وأكثرها فخامة والأكثر رقياً في التقنية الطبية باسم الكويت وأهلها؟! وأخيراً نقول بأن أفضل تأمين صحي يغطي العلاج الشامل والذهبي داخل وخارج الكويت لا يتجاوز 300 دينار كويتي فما بالك لو تم الاتفاق على تأسيس شركات تأمين صحي متخصصة وأسهمها مملوكة للمواطن نفسه، فهل عرفتم أين التنفيع؟!