الثلاثاء 29 أغسطس 2008

التناطح المصلحي!

د. حسن عبدالله جوهر

تحولت الساحة السياسية إلى معترك لحروب المصالح التجارية والاقتصادية، ومن المؤكد أن هذا النوع من الصراع سوف يلقي بظلاله على الكثير من القضايا والهموم العامة التي بلغت حدودها القصوى من حيث التذمر والإحباط على مستوى السواد الأعظم من الناس.

ولا نحتاج إلى مزيد من الأدلة والبراهين على تورط كثير من الشخصيات العامة والمسؤولين الكبار في الدولة في الصفقات والمشاريع التجارية الكبيرة، وخصوصا الحكومية منها، وتشمل القائمة الوزراء ووكلاء الوزارات والمديرين التنفيذيين وأعضاء مجلس الأمة ورموز التيارات السياسية والعائلات الكبيرة تحديداً، وهذا النوع من الصراع مرشح للتفاقم والاتساع بشكل غير مسبوق نظراً لحجم المشاريع القادمة وكلفتها المالية وعوائدها المستقبلية.

فالسياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، وأدبيات الاقتصاد السياسي جميعها قديماً وحديثاً تؤكد العلاقة المصيرية بينهما مع اختلاف واحد فقط هو مَن يقود الآخر: فهل الخريطة الاقتصادية ومصالحها تحدد معالم النظام السياسي وأدواته وقراراته، أم أن السياسة هي التي تحرك المنظومة الاقتصادية وحركتها؟ ومثل هذه العلاقة الارتباطية ممثلة في معظم دول العالم إن لم نقل جميعها الديمقراطية منها والاشتراكية والسلطوية.

ولكن ما يميزنا في الكويت كنموذج شاذ هو التناقض الكبير بين النظامين الاقتصادي والسياسي، فالاقتصاد الكويتي يميل بشكل مكشوف نحو الاشتراكية من حيث مصادر الإيراد المالي وسيطرة القطاع الحكومي بينما النظام السياسي يمثل نموذجاً للديمقراطية الرئاسية البرلمانية المختلطة، وهذا التناقض ترسخ وتجذر عبر سنوات ما قبل الاستقلال مروراً بالعهد الدستوري حيث كان التمثيل السياسي في مجلس الأمة والحكومة في معظمه يعود إلى التجار والعوائل الكبيرة المهيمنة على الاقتصاد أيضاً مع انعدام فرص المنافسة الأخرى في الانتخابات ذات الكلفة المالية ومتطلباتها من الثقافة والانتشار الإعلامي، وتمكنت هذه النخبة الاقتصادية من الاستفادة من قوتها السياسية في السلطتين والظفر بالكثير من المناقصات والمزايا الحكومية، وكان السواد الأعظم من الكويتيين قانعين بالنهضة العمرانية والخدمات المجانية وتكوين حياتهم الجديدة بالحصول على السكن الخاص والتوظيف والتعليم.

وفي نهايات السبعينيات بدأت التيارات السياسية تزاحم وتشارك التجار على الجبهتين السياسية والاقتصادية والدخول إلى أروقة السياسة كحكومة ومجلس أمة للحصول على تلك المشاريع المليونية في ظل استمرار السكوت الشعبي الذي وصل إلى ذروة الرفاه والبحبوحة المعيشية.

وطوال هذه الفترة ونظراً لاستتباب الوضع المثالي للأطراف كلها لم يتحرك أحد بفرض نظم الشفافية وتشريعات النزاهة وفك الارتباط بين المصالح السياسية والتجارية أسوة بالكثير من الديمقراطيات المتطورة والمتجددة في هذا المجال، ومن أمثلة هذه الضوابط قوانين المحافظة على الأموال العامة، والكشف عن الذمة المالية للمسؤولين في الدولة، وقوانين تضارب المصالح وغيرها.

وبرزت معظم هذه المطالبات بعد التحرير كدفعة واحدة لتنامي مستوى الوعي الشعبي وظهور قوى سياسية وطنية جديدة وبروز مؤسسات المجتمع المدني وفتح صفحة سياسية ذات سقف عال من الخطاب السياسي والإعلامي واختلاط الحابل بالنابل على صعيد التمثيل الحكومي والنيابي إيذاناً بعهد جديد من التنافس والصراع، ولتبدأ معركة جديدة في كيفية تفصيل مثل هذه التشريعات وتاريخ سريانها بأثر فوري أم رجعي، مع استمرار جبهة الرفض القاطع من قبل بعض الأطراف بما فيها الحكومة لإقرار مثل هذه القوانين النمطية المهمة، ولعل هذا التشخيص يمثل حجم وطبيعة ما يدور على الساحة من اتهامات متبادلة بين أطراف الصراع السياسي وامتدادهم الاقتصادي والتجاري خارج أروقة السلطتين المختطفتين إلى حد مهم.

وطالما بقي هذا الفراغ التشريعي سائداً وبالمقابل تحولت ميزانية الدولة إلى أرقام فلكية تخصص من 60-70% من أبوابها للمشاريع والمناقصات التي يسيل لها كل لعاب، وفي ظل الثورة المعلوماتية من صحافة متنوعة ومتعددة وفضائيات ومواقع إلكترونية في الإنترنت، سوف نشهد المزيد من التناطح الشرس من أجل المصالح المتشابكة سياسياً واقتصادياً!