الخميس 08 يوليو 1993

التنظير السياسي عبر الصحافة.. (2)
تناولنا في الحلقة السابقة موضوع سباق الانتقاد بين التوجهات السياسية المختلفة في الكويت، من خلال رموزها من الكتاب الصحفيين، على مضمار الصحافة المحلية، كما ذكرنا طبيعة المقالات الموسومة بالسلع تارة والتزكية الذاتية تارة أخرى، فقد ساهمت هذه الكتابات وإلى حد ملحوظ في إغفال دور مهم ملقى على عاتق الصحافة وهو الارتقاء بمستوى الوعي الشعبي والسعي من أجل فتح أفق التبحر لدى المواطن العادي.

فما نلاحظه على صفحات الجرائد من انتقادات وهموم ومشاكل في هذا البلد لا يتعدى الأصداء المرتدة من جدران الدواوين والمنتديات العامة، وحتى بعض خطب الجمعة ومناقشات مجلس الأمة! وأن مثل هذا التوجه الإعلامي رغم النقاط الإيجابية المتعددة المنبعثة منه، إنما يغذي التكلس الفئوي والتكتل الحزبي الذي يسعى إلى الهيمنة علة وسيلة الإعلام الشعبية “الوحيدة” وهي “صاحبة الجلالة” المتوخى فيها التعبير عن رأي الرأي العام بحرية وعلى قدم المساواة، وإذا بهذه الوسيلة تستغل لمنبر إعلامي ذي أغراض دعائية بحتة.

أقول، يمكن استغلال الصحافة بشكل أرقى وبمستوى أرفع مما نراه وخاصة بعد أن طوت الصحافة الكويتية ثلاثة عقود من الزمن، ومن القنوات التي يمكن تسخيرها للقلم الصحفي موضوع التنفيذ السياسي، فالتنظير السياسي هو منهج تفسير الظواهر العامة وفق علاقات سببية يهضمها المنطق ويحترمها التفكير الموضوعي وأن خالفها الرأي.

وبمعنى آخر، يجب بحث جذور المشاكل المختلفة التي نعانيها في هذا المجتمع سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية أم فكرية، ووضع تصورات عامة حول أسباب وجودها وتعقيداتها اللاحقة ومن ثم كيفية التصدي لها ومعالجتها، بل وحتى استثمارها لخدمة الصالح العام.

وأن مثل هذه المنهجية لا تخدم فقط تقصي أسباب المشاكل والقوى المحركة لها، وأنما تفسح المجال أمام أطروحات شتى وجهود تنصب في محاولة حل المشاكل بطريقة عصرية ووفق برنامج علمي، ومما يعزز نجاح فكرة التنظير وعملية استكشاف الواقع الكويتي بشكل أفضل وجود رؤى مختلفة تحمل طموحات وأفكار متنافسة يمكنها الانطلاق من زوايا وأبعاد متعددة.

ولعل في نوعية الكتاب الصحفيين خير أمل في التصدي لمثل هذه المحاولات نظراً لما يتمتعون به من قدرة وبيان كما ينعكس من كتاباتهم، وأكاد أجزم بأن هذه النماذج مؤهلة لحمل هذه المسؤولية وقادرة على طرح مفاهيم تنظيرية وبأسلوب مبسط ومختصر كما اعتادوا على تسطير الكلمات بالشكل الذي نتابعه جميعاً.

ولكن السؤال، لماذا يتهرب هؤلاء “القوّال” عن مثل هذه المسؤولية، وهذا الموضوع بحد ذاته بحاجة إلى تنظير!!

“وتلك كانت شقشقة هدرت ثم قرت”!