الجنسية “الثالثة”: مفهوم الحكومة لحل مشكلة البدون!

بعد مضي 227 سنة على تأسيس الكويت، وبعد مرور 32 سنة من عمرها كدولة عصرية حديثة تقوم على قواعد قانونية مدونة وذات اعتراف دولي ،لم تتبلور بعد حقيقة المواطنة المتوازنة مع مستجدات الحياة ولاسيما في عهد تتعالي فيه أمواج المد الديمقراطي على سواحل دول العالم الثالث.

 

فمفهوم المواطنة الكويتية الذي قُنن في عام 1959 ودام تطبيقه لمدة لم تتجاوز خمس السنوات ،كان يتمحور حول قطب الثروة النفطية التي ثبتت كمياتها الهائلة في بطن الأرض . فتحول مفهوم المواطنة إلى (( الفريج الكبير)) الذي يتمتع بالخدمات المجانية واقتسام أمول البترول والخلود إلى الراحة بعد ضنك العيش والجهاد ضد البحر

والبر لعهد طويل . ومن هنا جاءت فترة فتح باب التجنيس قصيرة جداً حتى يتضخم هذا الفريج.

 

 

ولعل من الأسباب الرئيسية لظاهرة ((البدون)) هو إغلاق ملف الجنسية من هذا المنطلق (( الفريجي)) وكذلك تركها ترتع وتسمن دون ضوابط أو علاجات ابتدائية وفورية منذ عام 1966 .فلم تبدأ الحكومة في وضع تصور جدي لحل هذه المشكلة إلا في عام 1983 كم هو مبين في ((تصورات الحكومة))حول معالجة المشكلة والمقدمة إلى مجلس الأمة.

 

وحتى من خلال الفترة من 1983 إلى 1990 كانت مسؤولية الحكومة وهاجسها الأوحد هو ملاحقة البدون ((المزيفين))للكشف عن هوياتهم الأصلية ،ومرت هذه الفترة بدورها دون فتح باب التجنيس للبدون ((الحقيقيين))ورغم الضغوط الكبيرة من جانب صاحبة السعادة الحكومة لم يتم اكتشاف سوى جزء بسيط من معرفة مدعي ((البدونية)).

 

وبعد كارثة الغزو وظهور فكرة النظام الكويتي الجديد المشتمل إعادة البناء وعودة الديمقراطية والشرعية وخلق الدولة الحديثة القادرة على الدخول في المعترك الدولي الجديد، استجدت الحاجة إلى طرح مشكلة البدون على بساط الحل والتمحيص .وبعد طول انتظار والترقب واللهف الجماهيري للقضاء على هذه الظاهرة الكئيبة ظهرت مسودة التصور الحكومي لهذا الحل .وتحتاج هذه المذكرة إلى وقفة طويلة لتحليل محتواها وتوجهات الحكومة بشأنها ولكن ثمة ملاحظتين في اية الأهمية يمكن استنتاجها من هذا التصور:

أولاً:ما تزال الحكومة مصممة على إبقاء حاله ((الوطن-الفريج)) فالمتأمل في ديباجة الافتتاحية يستشعر حرص الحكومة على تقليص عدد الذين سوف يتم منحهم الجنسية الكويتية وذلك من خلال وضع العراقيل المتعددة بمفاهيم مطاطية من قبيل المصلحة العامة والجوانب الأمنية والتي لم يتم تعريفها أو وضع معايير دقيقة ومقبولة لها.

ثانياً:ربط التخوف من تجنيس ((البدون)) بمسألة توفير الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية لهم الأمر الذي يثقل كاهل الحكومة ولاسيما في ظل التعثر الاقتصادي.

 

وفي هذا الإطار يتضح بأن عقلية السور مازالت هي الغالبة وهي بالأحرى أساس مفهوم المواطنة ،وهو أساس قد أكل عليه الدهر وشرب.

أما مكمن الخطورة في التصور الحكومي فيستقر في الآثار التي قد تترتب على الحل المطروح والمتمثل بإعطاء هويات مؤقتة لكل من لا يستطيع إثبات نفسه كويتياً، ولا تستطيع الحكومة كشف هويته الأصلية .وجرى العرف أن مفهوم ((مؤقت))في الكويت يعني ((الأزلية)) وقد ينتهي المقام بهؤلاء البدون ((رسمياً))أن يصبحوا مواطنين تحت تصنيف آخر يأتي بعد حملة الجنسية ((الأولى)) وحملة الجنسية((الثانية)) فيكونون بعد فترة حملة الجنسية ((الثالثة)) .

((وكانت تلك شقشقة هدرت ثم قرت)).