03 يونيو 1993

الحساسية السياسية.. (1)
لا شك أن المجتمع الكويتي قد جبل على السياسة وعجن بطينتها، وبخاصة أن أبواب الدخول إلى عالم السياسة والمتمثلة في إبداء الرأي والمشاركة في اختيار الحاكم والمساهمة في اتخاذ القرار قد شرعت مع قيام الكيان الكويتي قبل مائتي سنة، بل أن أساس قيام الدولة قد أرسي على مقومات من المناورة السياسية وتوزيع الأدوار المسؤولة عن إدارة شؤون الحكم في هذا البلد.

وقد اندرجت هذه الخبرة السياسية في مراحل تاريخية متعاقبة تقدمت تارة وتراجعت تارة أخرى، إلا أن الغلبة فيها كانت للإثراء السياسي الذي توّج بقيام دولة القانون والمؤسسات الدستورية في أعقاب الاستقلال السياسي عام 1961.

ولا ينكر بأنه في ظل حكم دستور 1962 وعلى امتداد المسيرة الديمقراطية قد تنامت درجات الوعي السياسي وارتفعت مستويات الثقافة إلى حد مميز جداً، وتناغم مع هذا التطور السياسي التفاعل المستمر للساحة السياسية مع الأحداث والمستجدات الداخلية والخارجية، وهذا بالطبع مؤشر جيد لقياس درجة الحيوية السياسية.

إلا أن ثمة مؤشرات أخرى تعكس بعض الآثار السلبية في الحياة السياسية في الكويت، وفي طليعة هذه المؤشرات تأتي ظاهرة الإفراط السياسي، ويمكن تعريف هذه الظاهرة بأنها عملية تمرير مختلف جوانب الحياة وأحداثها وتطوراتها وإرهاصاتها في قنوات سياسية وتحليلها من منطلقات سياسية الهدف منها تحقيق مكاسب وامتيازات من قبل تيارات وجماعات تنشد مراكز نفوذ واليد الطولى في صنع القرار، وفي نفس الوقت تحاول الفئات السياسية الطعن في قابليات منافسيها وسحب المصداقية من تحت أقدامها.

ومن خلال تشبيه هذه الوضعية السياسية بميكانيزم ذات جهاز لمقياس الحساسية sensor قد تتبلور الصورة بواقعية أكبر، فمثل هذا الجهاز يوضع عادة لرصد فعل النظام “سواء كان هذه النظام آلي أم إنساني” تجاه التماسات الخارجة منه، ومشكلة هذه الأنظمة الحساسة هي أن استجابتها إزاء الخارج تكون تلقائية وتكون ردود الفعل أفعالها بالنتيجة عفوية.

ويكاد لا يختلف اثنان بأن الأرضية الكويتية خصبة لتقبل وجود هذه الحساسية الدقيقة بسبب عاملين رئيسيين: الأول، الحجم الجغرافي لهذا البلد، والثاني، الإمكانيات الضخمة التي تتمتع بها من مال وثروة.

ومما يساعد أيضاً على الإفراط السياسي التعددية والتفلج الاقتصادي-الاجتماعي-السياسي- القبلي-الطائفي-الفكري لشرائح هذا المجتمع، ومحاولة جميع هذه الفصائل متزامنة بالتوغل داخل أجهزة اتخاذ القرار وبالتالي استغلال النفوذ لتحقيق معدلات أعلى من الكسب السياسي الذي يعتبر أساساً غطاءً “شرعياً بموجب القانون والدستور” للكسب الاقتصادي.

والدليل على وجود الحساسية السياسية في الكويت واضح وجلي في مختلف أجهزة الدولة والمؤسسات الحكومية والشعبية والأندية الثقافية والاجتماعية والرياضية وحتى جمعيات النفع العام، ذلك أن العنصر المشترك بين جميع هذه القرائن هو النقد اللاذع واتهام قيادتها بتجييرها سياسياً نحو مصالح خاصة عادة ما تكون اقتصادية، ويلاحظ أيضاً بأن الانتقاد يشمل جميع التوجهات السياسية والفكرية والفئوية في كل حالة، أي أن الجميع يتحدون ضد توجه معين في كل مرة.

ومن هنا فأن الحساسية السياسية ليست ضد مؤسسات أو أجهزة متخصصة وإنما ضد الأشخاص القائمين على إدارتها، وهذا ما يقوي ناحية الانتقاد والطعن في الأفراد بموجب ميولهم ويترك جوهر مساهمة كل من هذه القطاعات في الصالح العام، وأن استمرار هذه الوضعية لها عواقب وخيمة لا تأتي فقط على عرقلة مسيرة بناء الدولة المؤسساتية المتخصصة وإنما قد تؤدي إلى تغافل سيادة القانون والحقوق الدستورية وإلغاء دور التكافل والاندماج الوطني بل والمحافظة على الدولة.. وللموضوع بقية.

“وتلك كانت شقشقة هدرت ثم قرت”!