الحكومة والفتنة الطائفية

(( الناس سواسية في الكرامة الإنسانية وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو الدين)) (( المادة 29 من الدستور)). ((حرية الاعتقاد مطلقة، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقا للعادات المرعية، على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب . (( المادة 35 من الدستور)).

 

إذا وضعنا المادتين الدستوريتين نصب أعيننا يكون من حقنا التساؤل وبصوت مسموع عن موقف الحكومة الفاضح من قانون الزكاة والذي تمت مناقشته في الأسبوع الماضي، فقد ضربة الحكومة بعرض الحائط العمل المتواصل والتنسيق المستمر على مدى شهور عديدة بين أعضاء لجان المجلس التشريعية والمالية لإعداد صيغة مشتركة مقبولة عقلاً وفقهاً لقانون جباية الزكاة تبعاً للمذاهب الإسلامية المتبعة في البلاد. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد وإنما تجاوز حدود اللباقة وقدسية المشاعر الاعتقادية والعبادية عندما أخذ وزير الأوقاف والذي عهدناه صاحب مواقف وفهم إسلامي رصين،يصدح وبقوة بأن الجميع يجب أن يخضعوا لقانونه المفروض دون استثناء لأحد أياً كان، والوزير بالطبع يقصد عن سابق إصرار وترصد من المعني بالاستثناء.

 

ومهما كانت مسببات هذا الموقف الحكومي والأسانيد القانونية والفقهية التي ركنت إليها في اتخاذ هذا الرأي ومحاولة الاستماتة في الدفاع عنه تحت قبة البرلمان، فإن عامل التوقيت والحدية في الطرح من جانب الحكومة يعتبران مؤشراً قويا على مسعى الحكومة من أجل إثارة المسائل الطائفية وقضايا التفرقة خلال موسم الانتخابات. ومن هنا يجب أن تلتفت القوى الوطنية والشارع الكويتي المخلص لمثل هذه المحاولات.

إن مصداقية الحكومة على المحك الطائفي وكذلك القبلي والعائلي وحتى على مستوى الشللية لمخدوشة وبجرح عميق. والشواهد والدلالات على استغلال الحكومة لأوراق بث الفرقة والتشتيت بين صفوف الفئات الكويتية المختلفة من أجل فرض قوتها وتسيدها للموقف كثيرة ومتنوعة سواء على مستوى التعيين في المراكز العليا أو إرساء العقود والمناقصات أو أشكال التنفيع والترقيع المتعددة. بل إن التحالفات التكتيكية التي مارستها الحكومة من أعضاء المجلس على مدى أدوار الانعقاد الثلاثة الماضية لضرب كل قوة برلمانية على حدة أصبحت من السمات الرئيسة للأداء الحكومي، وإذا كان هناك من تبرير لمثل هذه الممارسات الحكومية في ضرب القوانين عبر الحائط أو التنصل من تطبيق المبادئ والمواد الدستورية الخاصة بتحقيق العدالة والمساواة والحفاظ على الحريات والاعتقادات من أجل تحقيق مكاسب سياسية أو إضعاف الخصوم سياسياً، فإن تدخل الحكومة في عملية التشريع وبنوايا طائفية وبقصد خلخلة الصف الوطني لهو أمر في غاية الخطورة والحماقة في الوقت نفسه.

 

أما جانب الحماقة فيتمثل في المستوى الراقي من الوعي السياسي والوطني وتشرب مبادئ الدستور والتسامح الديني في صفوف شرائح المجتمع الكويتي بدءً من الشارع المحلي وانتهاءً بالنخبة السياسية المتصدية للعمل خصوصاً في المعترك البرلماني.

وأن التقاء هذه الشرائح وتعاونها وتسامحها البيني ليفضح أية تدخلات حكومية مشبوهة. وأما من جانب الخطورة فيتمثل في محاولات الحكومة لاستقطاب البعض خصوصاً ممن يتلبسون بلباس الدين من أجل إقحامهم في معترك قد يكون الهدف المنشود منه ((فرق تسد)) ولكن يحتمل أن تتفاقم دائرة التفريق وتغذى من مصادر رسمية لتصل إلى حد قد لا تحمد عقباه.

إن دخول الحكومة في تجذير الطائفية ومحاولة تقنينها من خلال التشريع وداخل قبة البرلمان يعتبر محاولة مستحدثة لضرب مصداقية السلطة التشريعية المنتخبة وتعليق شوائب الفتن المغرضة على شماعتها لتخويف الشعب منها. وإذا كانت بعض الأصابع تطبل لمثل موقف الحكومة من قانون الزكاة وخاصة أصحاب التوجهات الإسلامية باعتبار أن هذا القانون قد يمنحهم شكلاً من أشكال الوصايا أو الديكتاتورية الفقهية مؤقتاً فإن هؤلاء سوف يعضون الأنامل لاحقا عندما يتحولن إلى طعم في سنارة الحكومة مستقبلا،  إن من أبرز الرسائل التي تحاول الحكومة تمريرها للشارع الكويتي من خلال قانون الزكاة هي صعوبة أو استحالة أسلمة القوانين باعتبار أن هذه الخطوات قد تسبب صدعا طائفيا في جسد الأمة الواحدة. وأن مثل هذا الإسفين يجب أن لا يسمح له بأن يذر بين أوساط الصف الوطني الواحد.

يجب على مجلس الأمة ألا يدع مثل هذه الفتنة تعبر في خضم العرس الديمقراطي والتآلف الشعبي الحالي، وأن يكون على مستوى المسؤولية بمنع تدخل الحكومة لبث روح التفرقة خصوصاً بين أوساط الطوائف المسلمة، والرد الجماعي الذي يقدر مجلس الأمة أن يوصله إلى الشارع الكويتي ليزيده لحمة وترابطاً هو بإقرار مشروع قانون الزكاة بالشكل الذي أقره المجلس وعبر اجتماعات لجانه المتكررة على مدار شهور طويلة.