الحوثيون.. دروس في الأخلاق!

د. حسن عبدالله جوهر

26 سبتمبر 2014

تجربة الثورة الحوثية يجب أن تعلّم الكثير من العرب والتيارات الدينية المتخلفة والمتطرفة دروساً في الأخلاق الإنسانية والرقي في السلوك السياسي، خصوصاً بعد أن حوّل تنظيم داعش وأخواته مشهد العالم العربي إلى صورة تتقاطر من كل جوانبها أشكال القبح وفنون الإجرام وتشويه ما تبقى من سماحة الإسلام من خلال قطع الرؤوس وأكل الأكباد وبيع النساء وهدم مراقد الأنبياء وكل موروثات التاريخ الإنساني.

جماعة أنصار الله قادت ثورة شعبية مكملة لحملة إسقاط نظام علي عبدالله صالح والتي سرقت مباشرة من قبل بعض التيارات الدينية المتشددة وبمباركة إقليمية ودعم أمريكي – أوربي، حالها في ذلك حال ما جرى في مصر وليبيا، وما يخطط له في العراق وسوريا، والحوثيون وهم من الأغلبية الزيدية في اليمن، كانوا نواة الثورة اليمنية الجديدة واستطاعوا رغم خبرتهم السياسية القصيرة أن يجمعوا مختلف القوى السياسية ومجاميع الغالبية الصامتة من اليمنيين ونجحوا في قيادة هذا التنوع العريض في الوصول إلى السلطة ولكن عبر تقديم نموذج حضاري قلما يشهدها العالم العربي.

تعرض الحوثيون إلى محاولات منظمة ومستمرة على مدى عقود من الزمن لمسح هويتهم الوطنية وإلغاء عقيدتهم الدينية وإقصائهم سياسياً وحرمانهم حتى من مقعدين برلمانيين فقط رغم أنهم الأكثرية في اليمن، وبدأت بعد ذلك حرب إبادتهم وتصفيتهم في عقر دارهم في منطقة صعدة وهاجمتهم الجيوش من كل حدب وصوب بعد أن استبعدتهم تماماً حتى الاتفاقية الخليجية التي تم بموجبها عزل الدكتاتور علي عبدالله صالح وسلمت زمام الأمور لجماعات دينية يتصدرها الأخوان المسلمون وبعض القبائل الموالية لهم بغطاء أمريكي أيضاً.

الحوثيون قلبوا الطاولة على خصومهم في الداخل والخارج وحرروا صعدة واستمروا بالزحف نحو العاصمة التي سقطت بأيديهم خلال أربعة أيام فقط، وطوال هذه المسيرة لم نسمع باستباحة القرى أو تهجير الأهالي أو حز الرقاب أو بسبئ النساء ولا أخذ البيعة زوراً رغم التباين الفقهي والمذهبي مع سكانها، بل عشية الانتصار في العاصمة صنعاء أعلن زعيمهم عبدالملك الحوثي مد اليد نحو المشاركة في السلطة والعفو عن من قتلهم، وسلموا المقار الحكومية دون المساس بأي حجر فيها، رغم أنهم كانوا قادرين بعد أن كسبوا مجاميع الناس على قضايا وطنية ومعيشية، على إعلان دولتهم وتصفية خصومهم واستبعاد منافسيهم.

هذا المعدن برز على حقيقته بعد أن حاولت وسائل الإعلام العربية والعالمية تسويق الحوثيين بالعملاء والمتطرفين والمتعطشين للحكم وأدرجت منظمتهم على لائحة الإرهاب الأمريكية حتى قبل داعش والنصرة، ولكن بعض مرضى النفوس لم ولن يعجبهم هذا الانتصار لمفهوم التعايش السلمي ومشروع بناء الدولة الوطنية ونواة تشكيل نموذج التسامح الديني، فراحوا يرجوّن لنار الحرب الأهلية والسعي لتخريب أجواء التفاؤل وبدء مرحلة البناء أيضاً تحت عناوين طائفية وفئوية بغيضة، فالمشكلة إذا ليست في الحوثيين وليست في المسيحيين وليست في الأزيديين وليست في العرب وليست كذلك عند الكثير من السنة بتنوع مدارسهم الفقهية، ولكن في مجموعة من المتحجرين الذين لا يرضون بالتعايش مع كل هؤلاء، وإذا تمكنوا فتملي على الجميع عقولهم المريضة أو أن يذبحوهم جميعاً!