الخليج والمعادلات الإقليمية الجديدة!

23 أغسطس 2016

د. حسن عبدالله جوهر

يستمر المخاض السياسي في منطقة الشرق الأوسط في إطار ديناميكية إقليمية-دولية سريعة جداً، الأمر الذي قد يعكس نتائج مهمة على الأرض في المستقبل المنظور، وأقطاب هذه المعادلة الجديدة هي تركيا وإيران وروسيا والصين أما محورها فهي سوريا.

السياسة التركية شهدت تحولاً لافتاً بعد إقالة رئيس الوزراء داود أوغلو والهزة الكبيرة التي تعرض لها حزب العدالة والتنمية بعد الانقلاب العسكري الفاشل، وانتقل أوردغان سريعاً في اتجاه الشرق ليغلق ملف الخلافات مع إسرائيل، وليتصالح مع بوتين، وليقيم استراتيجية جديدة مع إيران، وتركت أنقرة الكثير من شعاراتها السابقة خلف ظهرها وفي مقدمة ذلك المشروع العثماني والإمبراطورية الإسلامية والتخلي عن فكرة إسقاط نظام بشار الأسد والابتعاد عن الحليف الأمريكي.

الثقل السياسي والعسكري الكبير لروسيا في سوريا، من جهة ثانية، قلب موازين القوة لصالح الحكومة والجيش السوري، والعمليات العسكرية الأخيرة للطيران الروسي من القواعد الجوية الإيرانية قد تكون بمثابة الإعلان الرسمي لموطئ قدم مهم للروس في الشرق الاوسط وبداية الانتشار في مفاصلة المهمة، ومن أمثلة ذلك الموقف السياسي من اليمن بعد إعلان المجلس السياسي الجديد، ودخول الصين على هذا السياسي يمكن اعتباره قيمة مضافة تعزز من أهمية وقوة هذا التحالف الجديد وتماسكه.

على الطرف الآخر، تعيش الولايات المتحدة أكثر مراحلها المتذبذبة في السياسة الخارجية وفقدت أو تخلت عن العديد من حلفائها التقليديين، ويشمل ذلك مصر والسعودية واسرائيل وتركيا، وتبدو أوربا غارقة في مشاكل الركود الاقتصادي واحتمالات تفتت أو ضعف الاتحاد الأوربي وحالة الذعر من الإرهاب في عقر دارها، وهذا مؤشر واضح على بدء انحسار النفوذ الغربي في عموم منطقة الشرق الـوسط.

دول الخليج من جهتها، هي الخاسر الأكبر في المعادلة الجديدة، فقد خسرت الرهان أو تكاد تخسره في سوريا وتخلت عن العراق، ولم تنجح لحد الآن في المعترك اليمني لا عسكرياً ولا دبلوماسياً، والتحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن رغم ولادته الضعيفة بدأ في الضمور بسبب الخلافات الحادة حول مستقبل اليمن بين أقرب المقربين في هذا التحالف وتسرب القوى الإقليمية تباعاً بدءً بمصر والباكستان، ثم تركيا ونيجيريا، وأخيراً الولايات المتحدة التي أمرت بسحب مستشاريها العسكريين من الميدان اليمني، ونفقات الحرب في اليمن في ظل انتهاء عصر البترو دولار صارت تثقل كاهل الخليج بشكل موجع، والنتيجة النهائية هي أن مجلس التعاون باستثناء عمان سوف يجد نفسه وحيداً سياسياً وعسكرياً ليس في الملف اليمن بل حتى في الميدان السوري والعراقي.

دول الخليج تملك مقومات السياسة الناعمة والدبلوماسية الناجحة، وما زالت تملك رصيداً اقليمياً ودولياً مهماً، ولديها من التحديات الداخلية في التنمية والاستعداد للمستقبل وعدم الركون إلى النفط كثروة جاهزة من غير تعب ومشقة، ما يحتم عليها بناء استراتيجية داخلية وخليجية عبر شبكة من العلاقات المتينة مع دول العالم، وعدم الركون إلى أطراف قد تبيعها بين ليلة وضحاها!