الدواعش من التجار!

05 أبريل 2016

د. حسن عبدالله جوهر

الاقتصاد عصب التنمية وهو العمود الفقري في أي بلد يحقق له أقصى درجات التطور والاستقرار، وبلا شك فأن النخبة التجارية هي الشريك الأساسي في مثل هذا النجاح، ولكن التجربة الكويتية لا تعكس هذا المعنى بطريقة منطقية وعادلة.

هذا التحليل لا يستهدف المبادئ العامة لفكر التجارة أو أهميتها في الاقتصاد الكويتي أو يلغي دور بعض تجار الكويت في تاريخ هذا البلد، وبالتأكيد لا يشمل خيرة التجار النزهاء والوطنيين ممن يحملون مع الناس البسطاء هموم الديرة ويشاطرون الناس حالة القلق والغضب الذي يعتصر قلب كل مواطن مخلص وشريف.

لكن الوضع العام بحاجة إلى وقفة جادة ضد مجاميع من التجار الذين تحولوا إلى ما يشبه تنظيم داعش إما بالفكر المتطرف الذي لا يحترم أو يقر الفكر الآخر بل يلغيه تماماً وينصّب نفسه قيماً على الآخرين، وبمعنى آخر دائماً “يرون ما لا يراه الآخرين”!

نقطة الشبه الأخرى تتمثل في التصرفات الإرهابية التي يمارسها بعض التجار، فإذا كان الدواعش يحزون الرؤوس ويبقرون البطون، فأن مجموعة من تجارنا يمصون دماء الناس وأرزاقهم ويغتصبون أموالهم مثلما يفعل داعش بحرائر النساء، كما أنهم لا يتركون أية فرصة لفرض الهيمنة على الفقراء والعوام من الناس، وقراراتهم السياسية هي التي يجب أن تمرر وتطبق!

تجار الكويت هم الوحيدون في العالم كله الذين لا يدفعون الضرائب للدولة وهم دون سواهم في كل الدول الذين تمنح لهم الأراضي بالمجان والخدمات العامة بأسعار رمزية وجميع مناقصاتهم ومشاريعهم تعتمد على الحكومة، وقد خصصت لهم أربعة أبواب من الميزانية العامة للدولة، ومع هذا فأن جل ميزانية الباب الأول الخاص بالرواتب والأجور تذهب إلى شركاتهم بكل أنواعها!

التجار أيضاً على رأسهم ريشة طويلة، فتراجع أسعار النفط وعجز الميزانية لا يمكن أن يطالهم، فلا تهتز مناقصاتهم ولا ترفع الرسوم على أملاك الدولة التي بحوزتهم ولن تفرض ضريبة الدخل على أرباحهم، كما أن حلول العجز المالي تكون أيضاً لمصلحتهم عبر الخصخصة التي اعتدنا في الكويت أن تشمل القطاعات المربحة وليست المتعثرة كما تقتضي فلسفة نقل ملكية القطاع العام إلى القطاع الخاص، ولهذا فأن حل مشكلة العجز المالي للدولة لا تكون من خلال شراء التجار والشركات الكبرى السندات الحكومية بعيدة الأجل وإنما عن طريق شراء أهم الشركات الحكومية التي تتعلق بها الحياة اليومية للمواطن مثل شركة الدواجن وشركة المواشي ومطاحن الدقيق مثلما بيعت لهم شركات الاتصال والبنوك والخدمات البترولية التي كانت من أهم مصادر الإيراد بعد النفط!

التجار أيضاً لهم ميزة خاصة في المجال السياسي، فجميع الهيئات والنقابات والاتحادات والجمعيات التعاونية طبّق عليها نظام الصوت الواحد، الأمر الذي فرض أيضاً على مجلس الأمة شاء من شاء وأبى من أبى إلا انتخابات التجار، حيث أن تطبيق الصوت الواحد عليها من المحرمات، وهو خط أحمر عند التجار لا يمكن أن يمس ولا تتجرأ الحكومة أن تقترب منه خوفاً من إعلان دولة الخلافة التجارية عليها!