شقشقة

الدوران الوزاري

في خضم أقاويل التعديل الوزاري والإشاعات التي تحوم حول احتمالات تحققه، تطفو إلى سطح الذاكرة جملة من الملاحظات والهواجس، ولا تتعلق هذه الملاحظات بالأخبار المتناقضة بشأن التعديل الوزاري وحواراته المختلفة التي تتفاوت في درجة التغيير المرتقب كونه إعادة وزراء المجلس إلى مقاعدهم الخلفية في البرلمان، أو المجيء بكابينة فنية، أو حتى انحسار الموضوع في تبادل بعض الحقائب الرسمية بين الموظفين “الكبار” أنفسهم، لكن الملاحظات التي نسوقها هنا تشغل حيز التفكير السياسي وعقلية صانع القرار والتنشئة السياسية والتوعوية التي جبل عليها المواطن الكويتي، فطريقة تشكيل الحكومات المتعاقبة منذ فجر الاستقلال وحتى الانتخابات الأخيرة كانت تسير دائماً وفق إستراتيجية واحدة “حكومية” تقابل تطلعات المجالس التشريعية وتنافسها وتصارعها من أجل انتزاع التأييد الشعبي، وهذه النظرة الحكومية لم تتبدل حتى عندما قررت السلطة السياسية تطعيم تشكيلها بعناصر من المعارضة البرلمانية كخطوة مستحدثة وجريئة في تطوير الأداء الحكومي وتوسيع مبدأ المشاركة السياسية “دستورياً”، إلا أن الحكومة “التقليدية” قد اصطدمت بجدار الواقع السياسي وتبين لها بعد أمد أنه لا يمكن التوصل إلى إستراتيجية مقبولة عند “مجلس الوزراء” نظراً لتباين أعضائه، وهذا ما أدى إلى عرقلة المسيرة الحكومية وتعرجها في طريق تحقيق أولوياتها.

ومن جهة ثانية، فأن العقلية الشعبية وبمنظورها “التقليدي” قد زادت الطين بله وساهمت في توسيع الهوة بين أعضاء مجلس الوزراء من ناحية ومجلس الأمة من جهة أخرى، وتقتضي النظرة الشعبية هذه بأن لكل طائفة وقبيلة وتيار وملة وأخيراً لكل حزب حصة من الكعكة لا يمكن التهامها إلا بعد أن يجئ الدور لأحد أبناء هذه المجموعات في حمل حقيبة أو عدة حقائب، وبموجب هذه العقلية وسنتها التقليدية يبادر الوزراء كل حسب وزارته إلى إقصاء المغضوب عليهم وجلب أهل عصبيته وتوزيعهم على المراكز القيادية في عملية تستغرق عامين تقريباً وتتخللها تجاوزات وسوء الاستغلال وإرباك الأداء العام للوزارة ككل، أما المحصلة النهائية لهذه الممارسات مجتمعة فلا شك أنها تنعكس سلباً على الأداء الحكومي إجمالاً، وهذا ما يفسح المجال للمجلس للنقد وطلب المحاسبة، وهذه السنة الشعبية يتفق عليها معظم الكويتيين ويمارسونها كواقع ولا يكون استنكارها إلا في حالات يكونون فيها خارج نصيب الكعكة، أو عندما لا يشاركون في أكل شريحة معينة من الكعكة، ولهذا نرى التهجم الفئوي على وزير التربية وتهجم فئات أخرى على وزير النفط في حين ينتقد البعض وزير التجارة وهكذا، وبعقلية كهذه، فمن الصعب القبول بتغيير وزاري أو تبديل بعض الحقائب الحكومية لأننا سوف نتوه في نفس الدائرة من جديد، ولا ننسى بأن أي وزير جديد لا يملك من الزمن إلا سنتين وهذه الفترة محجوزة مسبقاً لتقسيم كعكة وزارته سواء أدى التعديل إلى تجانس حكومي أو لم يؤد إلى ذلك.