الجمعة 21 مارس 2008

الديمقراطية بين المطرقة والسندان!

د. حسن عبدالله جوهر

تبقى الديمقراطية الكويتية متميزة حتى في غرابة أطوارها، ويصعب في الكثير من الأحوال إخضاعها للتقييم الموضوعي المعياري وفق نظريات السياسة والحكم، وآخر دليل على ذلك الطلاق البائن بين حكومة وسمت “بالإصلاحية” ومجلس 2006 الذي انتخب تحت غطاء وطني بعنوان “الإصلاح” السياسي أيضا!

وإذا أخذنا المسار التاريخي للممارسة السياسية في الكويت على مدى نصف قرن من الاستقلال فأن المفارقة الكبرى تتمثل في العثرات المستمرة في دولاب الديمقراطية بل والمتزايدة بعكس منطق النضج السياسي المفترض في ثقافة الحكم الديمقراطي، فخلال الفصول التشريعية الأحد عشر في الحياة الدستورية نجد أن أكثر من نصف محطاتنا الديمقراطية قد فشلت في إكمال عمرها الافتراضي، حيث شهدت تجربتنا ستة إخفاقات منها مجلس مزور وحالتين للحل غير الدستوري وثلاثة حالات من الحل الدستوري، بل وتفاقمت الأزمة بين السلطتين خلال العقد الأخير تحديداً إلى حد الفراق ليسجل حل مجلس الأمة ثلاثة مرات من خلال أربعة فصول تشريعية متتالية ومرتين متعاقبتين خلال أقل من سنتين.

وشمل الفشل في ترتيب العلاقة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية جميع الاحتمالات الممكنة، فلا حكومة “فاسدة” تستطيع العمل مع مجلس “إصلاحي” ولا حكومة “فاسدة” قادرة على مجاراة مجلس “فاسد” ولا حكومة “إصلاحية” نجحت في التعايش مع مجلس “فاسد” وأخيرا لا مجال لتعاون حكومة ومجلس “إصلاحيين” في التعريف السياسي لهذه المصطلحات!!

ومن الواضح خلال التجربة السياسية برمتها أن مثل هذه النتيجة التي جنيناها بالأمس وهي حل مجلس الأمة سوف تتكرر بالتأكيد لسبب بسيط وغاية في الأهمية في نفس الوقت، وهو وجود قوى دافعة مازالت فعالة وضعت السياسة الكويتية برمتها بين السندان والمطرقة: سندان العمل على إلغاء الديمقراطية برمتها ومطرقة فرض ديمقراطية طيعة وشكلية ومنزوعة الأسنان، وما هذه العثرات التي تواجهنا على مدى الخمسين سنة إلا صراع مستمر بين نهجين متناقضين ومن الواضح أن كل منها صاحب نفس طويل وإصرار على موقفه، وحتى يهزم الطرف المقاوم للديمقراطية وهذا هو بالتأكيد الأمل الوحيد والأرجح وفق السنين التاريخية والتكامل البشري والمد الديمقراطي الجارف عالميا، يبقى البلد يدفع ثمن هذا الصراع على أكثر من صعيد المنظور العام للممارسة السياسية الكويتية.

فهشاشة الديمقراطية وعثراتها المتكررة من جانب، ومحاولات تطويعها وتسخيرها لخدمة أهداف ومآرب تستهدف أصلها وبقائها وتطبيقيها الحقيقي من جانب آخر حرمت بلد مثل الكويت ورغم إمكانياتها الهائلة وشعبها المفعم بالإرادة من بناء مؤسساته الدستورية بناءً تكاملياً أكثر تطوراً ونضجاً، وأضاعت فيه هيبة القانون وسيادة النظام العام لصالح الترهل في الخدمات العامة وتفشي الواسطة والمحسوبية والتحريض على كل أنواع الفساد، وأخفقت في صهر مكوناته البشرية في بوتقة اللحمة الوطنية الحقيقية، ومع كل ذلك سوف نعود جميعاً إلى نقطة الصفر من جديد لننتظر اليوم الموعود في السابع عشر من مايو القادم لنحاول وضع لبنة أخرى في صرح الديمقراطية التي نغني على أوتارها ألحان الوطنية…لعل وعسى!!