السعودية والإرهاب!

د. حسن عبدالله جوهر

07 نوفمبر 2014

استهداف حسينسة المصطفى بقرية الدالوة بمحافظة الإحساء في المملكة العربية السعودية ليلة عاشوراء وقتل روادها من محبي الإمام “الحسين عليه السلام” بطريقة إجرامية جبانة كان بمثابة “الدمل” الذي انفجر في منطقة الخليج وسال خراجه النتن بعد فترة طويلة من تورمه، وبقدر قبح الجريمة وسقوط شهداء وجرحى من الأبرياء إلا أن هذا الفعل الإرهابي يجب أن يفتح آفاق العقول وأبواب القلوب في عموم منطقة الخليج والسعودية تحديداً.

تقصّد الشيعة بالذات في العملية الإرهابية في الإحساء هو بداية متعّمدة ومدروسة لضرب النسيج الاجتماعي ونسف مفهوم المواطنة، ومحاولة لجر بلدان الخليج إلى أتون الفتنة الطائفية تمهيداً لما هو أكبر من ذلك، فاستهداف المواطنين الشيعة هو بمثابة تهييج المشاعر وتعبئة العوام من الناس عبر الفكر والشعارات المتطرفة، وإحراج الحكومات ومشايخ الدين والنخب الاجتماعية أو على الأقل محاولة احتواء واستمالة هذه المكونات من قبل التيارات التكفيرية لإيجاد حواضن لها قابلة للتوسع والإمتداد.

من يتتبع سلوكيات هذه الجماعات الإرهابية المستترة بالدين والطائفية بدءً من ولادتها ونشأتها في أفغانستان وباكستان وزحفها الحالي نحو الدول العربية يجد أنها تبدأ بعمليات القتل والتكفير والتجهير في أوساط الدوائر البعيدة عنها تدريجياً مثل الشيعة والمسيحيين والأزيديين ثم الأكراد وبعدهم الصوفيين حتى تنتهي بنفس المنطق بأهل السنة والجماعة، وما يحدث في سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان شواهد عملية واضحة على هذا السلوك الإجرامي.

لذلك فأن التحدي الأكبر يقع على النخب الدينية وهيئة العلماء في المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج، فقد ساهم سكوت الكثير منها من جهة، وتلمحيات وفتاوى وآراء البعض المعلنة من جهة أخرى في تشجييع وتأييد وتبرير تصرفات هذه الجماعات المنحرفة، كما أن الدور الرسمي للحكومات في فرض هيبة القانون وإعادة بناء مفاهيم ومصاديق المواطنة وفق معايير العدالة، والإرتقاء بالمؤسسات العامة والاهتمام بتطلعات شعوبها باتت من الضرورات التي لا تتحمل التأخير بهدف بناء جبهة داخلية تكون عصية على اختراقات التطرف والإرهاب، ومثل هذه الجبهة بقدر ما تحمل بين جنباتها التعددية والتسامح والإندماج فسوف تزداد صلابة بل وتتألق في مواكبة متطلبات الحداثة والمدنية والتنمية، وهكذا إنجاز يضعف مختلف أشكال التزمت والتخلف وأولها التخلف والتعصب الديني.

ردود فعل كبار العلماء في السعودية والتعاطي الإعلامي الجريئ والشفاف مع حادث الدالوة الإرهابي ومواقف النخب السياسية والرأي العام السعودي المتزامنة مع جدية الأجهزة الأمنية كانت على قدر عال من المسؤولية، وبالتأكيد ستكون لها تبعات إيجابية على التهدئة وتنسيق الجهود لمواجهة عدو خطير واحد ومشترك.

لكن محك التحدي سيستمر بل ويزداد صعوبة مع مرور الوقت، فموقف كبار العلماء وكذلك الكتّاب الإعلاميين والمغردين بالإضافة إلى القرارات الرسمية سوف تواجه بضغط شديد من الأوساط المتعاطفة مع المتشددين وسوف يستغل الدين كوسيلة ابتزاز وترهيب للتشهير والتنكيل وحتى تهديد من يواجه هذا الموج المنحرف بصدق وعلانية، لذا فأن نجاح مواجهة هذا الدمل الفاسد مرهون بالصمود أمامها من جهة، وفي برنامج حقيقي لإصلاح الهيئات الدينية ومنابرها، والمؤسسات التعليمية ومناهجها، والقرارات الحكومية وتطبيقاتها، لا أن يكون الموقف ردة فعل مؤقتة لامتصاص أزمة وقتة.