الجمعة 15 فبراير 2008

الشراكة الحكومية في ارتفاع الأسعار!

د. حسن عبدالله جوهر

هناك تناقض كبير بين شعار دولة القانون والمؤسسات وتطبيقاته من حيث الالتزام والممارسات، فالتباهي بسيادة القانون وتحكيم الدستور أمر محمود ومصداق للفخر والعزة، ولكن هذا النوع من التباهي قد لا نستحقه إذا لم نترجم الشعار بالقرار والعمل، والأعجب من ذلك أن تقف الحكومة مكتوفة الأيدي في موقف المفترج أمام التحدي السافر لارتفاع الأسعار وهي التي تملك جميع أدوات تنفيذ القوانين وتتمتع بحسب الدستور بفرض هيبة النظام.

وهنا قد تصل مسؤولية الحكومة إلى حد الشراكة في هذه المؤامرة التي يبقى المواطن ضحيتها الأولى وذلك لسببين مهمين، السبب الأول يتمثل في إحجام الحكومة والجهات المختصة التابعة لها عن الإعلان عن مؤشرات التضخم بشفافية ودقة أو حتى التصريح ضد موجة الزيادة غير المبررة للأسعار، الأمر الذي ينم عن تقاعس واضح في أداء المسؤولين لعملهم أو عدم تمتعهم بالكفاءة والدراية اللازمتين لرصد مؤشرات فنية دقيقة في هذا الصدد ناهيك عن ضرورة تمتعهم برؤى فاحصة لتكييف المنظومة الاقتصادية والمالية للدولة على ضوئها، وأن مثل هذه الشاكلة من المسؤولين لا يشكلون عبئاً ثقيلاً على كاهل الدولة وسمعتها ومكانتها وقدراتها المالية فحسب، بل ويحجبون دور الكثير من الكفاءات الوطنية المخلصة من المساهمة الحقيقية في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فقد بلغ بأمثال هؤلاء الحد في سماكة الجلد من الإحساس بالخجل أمام الأرقام والإحصائيات التي تملأ مواقع الإنترنت والتقارير والدراسات الاقتصادية محلياً وعالمياً عن مختلف أنواع الخلل في سياساتنا الاقتصادية وخاصة في موضوع التضخم وآثاره على مستويات المعيشة للمواطنين والعجلة الاقتصادية ككل.

أما السبب الآخر الذي يضع الحكومة في دائرة الاتهام المباشر على خلفية الارتفاع المتوحش للأسعار فهو الصمت الغريب أمام استمرار الزيادة في مختلف أصناف السلع والمواد الاستهلاكية والإنشائية والغذائية والعقار والقسائم السكنية وغيرها وبجرأة الثقة والتحدي من قبل التجار ليس الكبار منهم فقط بل حتى الباعة المتجولين والمطاعم الصغيرة انتهاءً بمحلات النخي والآش!!

والمفارقة هنا تكمن في أن الحكومة هي التي تقع تحت رحمة ونفوذ التجار وليس العكس في معادلة غريبة النتائج، فالجميع يعلم أن القطاع الخاص الكويتي في مجمله يعتمد في شريان حياته على المناقصات والترسيات والعقود الحكومية، حيث يخصص حوالي 60% من الميزانية العامة للدولة سنوياً لهذا القطاع على شكل مشاريع وعليه يفترض أن يكون هذا القطاع هو الحلقة الأضعف في هذه العلاقة وتخضع لضغط وتوجهات الحكومة إن أرادت ذلك، ولكن ما نراه هو العكس تماماً.

فبماذا تجيب وزارة التجارة على سبيل المثال عدم تفعيل لجنة مراقبة الأسعار المنبثقة من مظلة قانونية واجبة التنفيذ ومهمتها الحصول على البيانات التفصيلية لتكلفة السلع والمواد المستوردة من قبل الشركات التجارية وأجور شحنها وتخزينها ومن ثم تقييم أسعارها النهائية المفروضة على المستهلك ومبررات نسب زيادتها التصاعدية؟!

ولعل التفسير الوحيد والمنطقي لهذا التقاعس الحكومي المتعمد يكمن في قدرة الشركات على احتواء أصحاب القرار من بعض كبار المسؤولين إما بشرائهم بمختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة أو من خلال ربطهم في شبكات الشراكة والعمولات المغرية بحيث تكون المصلحة العليا هي آخر اهتماماتهم وليبقى شعار دولة القانون ومؤسسات القرار مجرد ماكياج خارجي على أننا دولة رسمية!