الصراع الدولي على الفيفا!

05 يونيو 2015

د. حسن عبدالله جوهر

يبدو أن كلمة “فيفا” أقرب إلى اختصار جملة “فساد يجر فساد إلى الأبد”، خاصة بعد انهيار إمبراطورية رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جوزيف بلاتر وما قد يلحق ذلك من فتح ملفات الفساد والرشوة بأثر رجعي في هذه المؤسسة العالمية الجبارة.

أن عالم الفساد ودهاليزه يبقى في دوائر الغموض وقد تطوى أوراقه ورموزه دون الوصول إلى الحقيقة الكاملة مهما كانت الجهود والتحقيقات، والسبب في ذلك لا يعود فقط إلى إخطبوط الفساد وماكينته المالية وغطائه القانوني فقط، بل إلى الأبعاد السياسية والمصالح المتضاربة سواءً بين أصحاب النفوذ أو الحكومات والدول المتصارعة في عالم العلاقات الدولية المعقد.

إمبراطورية كرة القدم الحديثة قد تكون أكثر ثراءً من معظم دول العالم وأكثر نفوذاً، فأسعار اللاعبين وصفقاتهم التجارية وملاعب كرة القدم والرعايات والإعلانات وأجور النقل وأخيراً مسابقات المونديال عبارة عن مغارة علي بابا المليئة بالمليارات والمجوهرات وبحراسة جهابذة من الحرامية واللصوص الذين قد لا يختلفون على نهب هذه الأصول وإنما على طريقة توزيعها أو استغلالها كأدوات في سياسات الدول وخدمة مصالحها، وإلا كيف نفسّر أن تزّج الولايات المتحدة أنفها عبر مكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI) على الرغم من أن كرة القدم ليست باللعبة الشعبية الأولى في أمريكا؟ ولماذا تكتلت أوربا لوحدها وآسيا انقسمت وأفريقيا صامدة كفريق، والتصويت في كل تكتل يعكس التوجهات السياسية لحكومات الدول المعينة في كل تكتل؟ وأين كانت الرقابة والشفافية على مدى عشرين سنة من عهد بلاتر وربعه الذين جمعوا ثروة مقدارها 150 مليون دولار تحوم حولها الشبهات وخاصة في قرار اختيار جنوب أفريقيا وروسيا وقطر لاستضافة كأس العالم؟ ولماذا الشبهات فقط حول هذه الدول المستضيفة على الرغم من النجاح الباهر لكأس العالم في جنوب أفريقيا عام 2010؟ لماذا يجب أن تحتكر أوربا استضافة كأس العالم؟ فروسيا هزمت بريطانيا وانتزعت منها مونديال 2018، وقطر هزمت استراليا في إقامة مونديال 2022، فلماذا فتحت أبواب جهنم على الفيفا الآن؟ لعل السبب بسيط وواضح في بعده السياسي، أوربا تعيش حرباً مع روسيا بسبب أزمة أوكرانيا ولم تنجح العقوبات الاقتصادية ضد موسكو بل أضرت ألمانيا وأخواتها، والولايات المتحدة في المقابل بدأت تعلن خلافاتها مع دول الخليج وأصبحت قلقة من الدور القطري إقليمياً ودولياً ولا تريد بالنتيجة إلا إعادة تحجيم المنظومة الخليجية والضغط على دولها.

طبعاً لا نرى ساحة بلاتر واتحاده، فهم كغيرهم من المؤسسات الحكومية والخاصة توجههم المصالح والنفوذ ولا تخلو من أنواع الفساد خاصة المالي، ولكن الحرب السياسية على “الفيفا” اليوم تظل معركة جديدة في ساحة الصراع الدولي وتنافس الأقطاب وحلفائهم على الهيمنة العالمية ولكن هذه المرة من بوابة الكرة الساحرة!