الجمعة 12 أكتوبر 2007

العبرة السياسية في رحيل الشيخ سالم الصباح!

د. حسن عبدالله جوهر

الوداع المهيب للمغفور له الشيخ سالم الصباح، سواء في مراسم تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير أو خلال أيام قبول العزاء في قصر المسيلة، يعكس صورة واقعية وتلقائية لطبيعة العلاقة بين أسرة الحكم والشعب الكويتي، ويفنّد محاولات بعض المحرضين والمتزلفين الساعين دائماً إلى دق “إسفين” الفتنة وإيصال الأقاويل المغرضة ضد شخصيات وفئات وتيارات معينة إلى رموز السلطة والقيادة السياسية.

ونموذج المرحوم الشيخ سالم خير دليل على متانة هذه العلاقة وأصالتها، فلا أحد ينكر الدور المحوري لشخصية أبي باسل وخدمته الطويلة للبلد في مواقع مختلفة على مدى أربعة عقود بدأها بالسلك الدبلوماسي مروراً بالعمل الوزاري كأحد أقطاب النظام السياسي وانتهاءً بحمل مسؤولية ملف الشهداء والأسرى والمفقودين التي تبناها بحس إنساني وأبوي كبير، وأذكر في هذا المقام أني نقلت إليه بعض المعلومات عن تصفية الأسرى الكويتيين جميعهم ودفنهم في مقابر جماعية من قبل النظام الصدامي وذلك في عام 1999، فرد بنبرة حزينة بأنه يملك مثل تلك المعلومات، ولكن يبقى بصيص من الأمل، وسوف يسعى حتى الرمق الأخير لعل الله يحدث أمراً.

وكانت الفترة الطويلة التي شهدها الشيخ سالم زاخرةً بالأحداث والتقلبات السياسية محلياً وإقليمياً، كما شهدت الأسرة الحاكمة نفسها محطات من المد والجزر السياسي وحالات من الفراغ والتنافس، فاتفق معه البعض في الرؤى والمواقف، واختلف معه البعض الآخر، وقضى السنوات الأخيرة بعيداً عن الساحة السياسية لظروف مرضه وانعزاله، ولكن رغم ذلك كله كشفت وفاته مدى انتشاره وشعبيته في قلوب أهل الكويت.

فهذه الإشارات العابرة من حياة هذا الرجل تجسد تلقائية العلاقة بين الشعب وأركان النظام، وتتجاوز البعد الرسمي في علاقة الحاكم بالمحكوم إلى روابط الأخوة والأهل، ومن دون كلفة أو تصنُّع، كما أن هذه العلاقة تسمو فوق الخلافات والاصطفافات التي قد تشهدها تركيبة الأسرة الحاكمة بين فترة وأخرى، أو حتى ما تشهده طبيعة العلاقة السياسية من مواقف وآراء في قضايا موضوعية تتعلق بالشأن العام.

نقول هذا الكلام كرسالة تحمل الوجه الآخر لما يحاول بعضهم أن يروجه ويشيعه داخل الأسرة من التشكيك والتحريض على الشعب بهدف اغتيال الديموقراطية أو تشويهها أو التكسب السياسي من وراء ذلك، فمكانة الأسرة الكريمة حدّدها العقد الاجتماعي وعزّزها الاتفاق السياسي وجذّرتها أواصر الود والثقة والاحترام من خلال تاريخ طويل، ومهما كانت صور الاختلاف في الممارسة الديموقراطية مع أي من أقطاب الأسرة، فإنها بلا أدنى شك لا تمس موقع الأسرة دستورياً ولا تخذلها شعبياً.