الغزو بين اليوم والبارحة!

04 أغسطس 2017

د. حسن عبدالله جوهر

لم تختلف أجواء ما قبل 2/8/1990 عن ما نشهده اليوم من حالة احتقان شديد بين مكونات الشعب الكويتي من جهة وبين السلطة والعديد من الفئات الشعبية من جهة أخرى، ففي العلن كان المشهد البوليسي من الاعتقالات والحجز التعسفي هو السائد على نطاق كبير وزادت حدة هذا التصعيد بعد تنامي المطالبة بعودة الحياة الدستورية والمتمثلة في دواوين الاثنين، وفي العلن أيضاً كان الكويتيون يأكلون لحم بعضهم البعض عبر المقالات وفي الدواوين حيث رائحة الطائفية تفوح من كل صوب رغم عدم وجود وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، ومع ذلك فأن روح الكراهية والتخوين والتحريض كانت واسعة الانتشار.

أما في الخفاء فكانت البلد بخيراتها ومواردها وأموالها العامة مستباحة والفساد المالي في ذروته مع غياب مجلس الأمة وتعطيل الأجهزة الرقابية والصحافة المقيدة، ومن أبرز مظاهر هذا الفساد أزمة المناخ وتداعياتها وسرقة الناقلات والاختلاسات المليارية في الاستثمارات الخارجية، ومن يراجع أول تقرير لديوان المحاسبة الصادر بعد التحرير يجد سلسلة من القصص الرهيبة على حجم الفساد الذي لعب بخيرات البلد طوال المدة بين عام 1986 وحتى 1992، وهي ذات الفترة التي كان المجتمع الكويتي غارق في أتون الطائفية والصراعات السياسية!

ندعو جيل الشباب ممن لم يشهدوا حقبة الغزو العراقي وما قبله بمتابعة الأعمال المسرحية التي جسدّت هذا المشهد الكويتي الكئيب وفي مقدمتها مسرحية “حامي الديار” ومسرحية “فرسان المناخ” ومسرحية “هذا سيفوه” التي نتمنى من فناننا القدير عبدالحسين عبدالرضا إعادة عرضها بنفس أحداثها ودون رتوش فقط لتوثيق تلك الحقبة الزمنية، لأنها المسرحية الكويتية التي لم يتم تسجيلها لأسباب مجهولة ولعل من بينها قرار إيقاف عرضها من قبل الحكومة!

هذه الصورة المخزنة تختزل الظروف الداخلية والإقليمية الخطيرة والحساسة التي كنا جميعاً كمواطنين وسلطة سياسية في أتونها، وكانت تقبلنا ذات اليمين وذات الشمال حتى ختمها صدام حسين بجريمة الغزو والاحتلال حيث فاق الكويتيون من سباتهم عشيتها وأدركوا كم كانوا في أعلى مستويات الغفلة والسذاجة وكم كانت القلوب متحجرة والآفاق المستقبلية عندهم معدومة ولم يقدروا نعمة الأمن والأمان ونعمة وجود وطن يحتوي الجميع مهما اختلفوا وتباينوا في الرأي والموقف ومهما اختلفت انتماءاتهم وجذورهم والفكرية والسياسية.

وسبحان الله فقد حدث انقلاب جذري في المواقف وقبلها في النفوس والمشاعر وبقدرة قادر وبين عشية وضحاها لم يتحول الكويتيون إلى كتلة وطنية في تكاتفهم وتعاضدهم وحرصهم على بعضهم البعض، بل اختلطت دمائهم على أرض الكويت المقاومة وحلقت أرواحهم في السماء من أجل نفس الوطن الذي كانوا يزايدون على بعضهم البعض في الولاء لها والانتماء إليها.

بعد 27 سنة من هذا الحدث المزلزل نرى المشهد السابق لـ 2/8/1990 يعيد نفسه وبذات أدوات التحريض ونفس روح بث الكراهية وأسلوب الاصطفاف، مع إضافة بعد التواصل الاجتماعي الذي استغل مع الأسف الشديد من أجل تغذية هذا النفس المريض، وسبحان الله أن يتزامن هذه الجو الملبد وسط كماشتي الفساد وتبديد ثرواتنا المالية من جهة والظروف الإقليمية المضطربة بشكل مخيف من ناحية أخرى، دون أن نستوعب درس الغزو القاسي، والله يستر من القادم!