الغول المدلل!

د. حسن عبدالله جوهر

19 سبتمبر 2014

القطاع الخاص أصبح هو الطفل المدلل للحكومة، فلم يكتف أنه لا يخضع للرقابة والمحاسبة، ولم يشبع من المناقصات والترسيات دون أي عقاب في حالة الفشل والتأخير، ولم يكن له شريك أو مثيل في المنح والهبات كالأراضي والمباني والتعويض المالي في حال إدعاء الخسارة والإفلاس، ولم يعجبه أنه محصن من الرسوم والضرائب، ولا يرف له جفن بأن نسبة قوة العمالة الوطنية فيه لا تتجاوز 2%، ومع ذلك لا يتردد في فصل وتسريح المئات من الكويتيين بجرة قلم ودون بيان الأسباب الموضوعية والقانونية أو حتى الرد على أكبر رأس في قراراته الخاصة جداً.

هذا التصور بالتأكيد لا يعمم على كل أشكال القطاع الخاص، فهناك من أبناء الحلال من يعمل ويخدم البلد وأبنائه ويرفع اسم الكويت على أعلام النجاح، ولكن الانطباع العام والسمعة السلبية تلاحق هذا القطاع خصوصاً إذا تعلق الأمر بقوت المواطن وحياة أسرته وأبنائه، كما حدث مؤخراً لمجموعة من المواطنين العاملين منذ سنوات في بعض شركات الاتصالات المتنقلة، وما دام الدلع والحماية الحكومية متوفرة فقد تتكرر هكذا ممارسات تعسفية في سيناريو مشابه لما حدث في عام 2009 عندما قامت مجموعة من البنوك والشركات الاستثمارية بتفتيش مئات المواطنين في الفضيحة التي عرفت بـ”المسرّحين” الذين لا زالوا في بيوتهم يتلقون المعونة الحكومية!

تم دق ناقوس الخطر في حادثة المسرّحين عام 2009 وتشرفت حينها بمشاركة الزملاء أحمد السعدون ومسلم البراك والصيفي مبارك الصيفي وخالد الطاحوس في تقديم تشريع متكامل لحماية الكويتيين العاملين في القطاع الخاص من إنهاء خدماتهم بلا أحم أو دستور، وعقد البرلمان جلسة استثنائية خلال العطلة الصيفية وأنهت اللجنة المالية تقريرها النهائي، ولكن الحكومة ألقت طوق النجاة لتلك الشركات ونجحت كالعادة في وأد القانون بمباركة نوابها الحكوميين واستبدل بقرار وزاري بصرف مساعدات لا ترقى إلى أجور أولئك الناس في مراكز عملهم، وفي نفس الوقت عوضّت تلك الشركات بملايين الدنانير تحت ذريعة الأزمة المالية العالمية!

من المفارقات المحزنة أن مقالنا الأخير كان بخصوص إعلان وزير المالية عن برنامج إصلاح المالية العامة للدولة ومن أبرز محاور هذا المشروع الدور المركزي للقطاع الخاص، فهل يمكن أن ينجح مثل هذا الإصلاح وهذا موقف الحكومة المتفرج من الممارسات المهزلة لبعض الشركات والقطاعات الخاصة وبدلاً من الحزم والمحاسبة والرقابة فأن الحكومة سوف تشتري رضا هذه الشركات وتحيل المسرّحين الجدد على جدول الإعاشة وينتهي الموضوع عند هذا الحد؟!

التفاعل الشعبي مع ضحايا شركة “أريد” كان صاخباً جداً ومتعاطفاً إلى حد كبير، وارتفعت الأصوات لاتخاذ إجراءات مجتمعية منها النقد الواسع والدعوة للمقاطعة ووقف التعامل مع خدماتها، وهذا يدل على مستوى جيد من الوعي المجتمعي، ولكن ذلك لا يكفي على المدى البعيد دون وجود رؤية حكومية واضحة لضبط القطاع الخاص وجعله شريكاً حقيقياً في الاقتصاد الكويتي والمسؤولية الوطنية في إطار التنمية المستدامة الفعلية وليست الوهمية، ومربط الفرس هل تجرؤ الحكومة على مواجهة هذا الطفل المدلل الذي تحول إلى غول كبير وما زال يرضع من ثديها؟!