الجمعة 28 مارس 2008

الفرعيات!

د. حسن عبدالله جوهر

التعاطي الحكومي مع الانتخابات الفرعية لم يتسم بالحكمة والحزم منذ إقرار قانون تجريم مثل هذه الانتخابات في الفصل التشريعي الثامن حتى اليوم، فطوال السنوات السابقة كانت الحكومة تمارس سياسة الإفراط المتمثلة في المساهمة بحماية هذه الانتخابات بل وتوفير الحماية الأمنية لها وتزويدها بالصناديق الرسمية ومن خلال دعم بعض المرشحين في تلك الانتخابات لضمان وصولهم إلى مجلس الأمة.

وفي حالة الضغط الشعبي والبرلماني على محاسبة المشاركين في الفرعيات بعد ظهور النتائج النهائية لانتخابات مجلس الأمة كانت الحكومة تمتنع عن التصويت على رفع حصانة النواب “الفرعيين” وتبطل بذلك الإجراءات القانونية بحقهم. واليوم نجد الحكومة تكشر عن أنيابها إلى درجة الوقوع في المحظور من خلال استخدام أسلوب الشدة المفرطة في حجز “عرابي” الفرعيات، وما قد ينجم عن ذلك من مواجهات ومصادمات مع قوات الأمن، وهو الأمر الذي شهدته أول تجربة عملية في التصدي “الحازم” للانتخابات الفرعية التي بدأت تأخذ مسميات جديدة للالتفاف على القانون ومنها ما يعرف بالتشاوريات.

وعلى الرغم من مواقفنا المبدئية ضد الانتخابات الفرعية التي قد تحرم أبناء القبائل نفسها من خيرة الكفاءات التي من شأنها إثراء العمل الوطني لأسباب غير منطقية وغير عادلة وفي مقدمتها محدودية الثقل الأسري داخل القبيلة أو حرمان العناصر الفذة من العمل السياسي نتيجة الحرج الكبير المتمثل في العقاب الجماعي لمن يقاطع هذه التصفيات، إلا أن الاستقرار الأمني ونزع فتيل أية مشاحنات على المستوى الشعبي العام يظل في سلم أولويات المصلحة العليا للبلاد، وكما استنفر المخلصون من أبناء الكويت لوأد الفتنة الطائفية قبل أسابيع ينبغي أن تعالج مسألة الفرعيات بوسائل أكثر حكمة دون التخلي عن روح الحزم في تطبيق القانون.

فأبناء القبائل يظلون جزء من النسيج الكويتي ومن المؤلم أن تعمم على الجميع تهمنا التي باتت معلبة وجاهزة لقذف الآخرين بها دونما تورع أو احترام لمشاعر وكرامة هذه الأسر المحترمة.

ومعالجة مشاكل الفرعيات يمكن أن تكون بوسائل أكثر تأثيراً وأقل كلفة سياسياً، منها تشجيع ومكافأة أبناء القبائل الذين يضحون بسمعتهم وحتى فرصهم الانتخابية في مواجهة أبناء عمومتهم وأقرب الناس لهم من قبل مؤسسات المجتمع المدني، فهناك الكثير من التجمعات الشعبية التي تنشط أثناء الانتخابات وترجح كفة بعض المرشحين في إطار معايير وطنية ومبدئية، فلماذا لا تشكل تجمعات تضم المناصرين لوقف الفرعيات من مختلف المشارب الوطنية وتوفر لهم مظلة التأييد الوطني والشعبي، كما يمكن للمتمردين على الفرعيات أن يشكلوا قوائمهم الخاصة تحت هذا العنوان لخلق حالة من التوازن في الحرج القبلي والسياسي في مقابل الطرف الآخر. وسياسياً ورغم أن المجلس السابق والحكومة أهدرا معا فرصة تاريخية في تعديل قانون تجريم الفرعيات والاقتراح المقدم بهذا الشأن الذي قبر في جدول الأعمال المتراكم بسبب فقدان بوصلة الأولويات، إلا أنه بإمكان الحكومة أن تصدر بعض مراسيم الضرورة المتضمنة لعقوبة الحرمان السياسي في حالة اللجوء إلى الفرعيات أو الرشاوى الانتخابية لتتحاشى بذلك نقل المشكلة وطرق علاجها إلى الشارع.

فالثقل البرلماني لأبناء القبائل يظل محل احترام واهتمام بل ويشكل ركن أساسي في العمل الديمقراطي وكم من المواقف المشرفة والوطنية التي سجلها أخواننا وزملائنا في المنعطفات المهمة والحساسة وفي أوقات الشدائد التي كانت تكشف معادن الرجال، وتظل معايير حسن الاختيار والرقي بمخرجات الانتخابات سارية على الجميع وليس على أبناء القبائل فقط، وليست الفرعيات هي الشائبة الوحيدة في جسد الديمقراطية فهناك آفات أخرى قد تكون أكثر فتكاً بمصالح الكويتيين جميعاً ومتجذرة حتى في بعض مرشحي المناطق الداخلية وتحتاج إلى الكثير من العناء والصبر والجهد الوطني المشترك لاستئصالها.