“القرقور” الحكومي الذكي!

                                                                      29 يناير 2016

د. حسن عبدالله جوهر

“القرقور” آلة صيد للأسماك الكبيرة وهو عبارة عن شبكة كروية الشكل لها فتحات جانبية مخروطية، حيث أن قطر هذه الفتحات يكون واسعاً من الخارج وصغيراً من داخل الشبكة، فيدخل السمك خلالها بسهولة ليجد نفسه حبيساً في جوف “القرقور” ومن المستحيل خروجه إلا بيد الصياد.

هذه الآلة البدائية من إبداعات أهل الخليج في صيد الأسماك المهمة التي غالباً ما تكون عصية على وسائل الصيد الأخرى، ورغم بساطة فكرة “القرقور” إلا أنها في غاية الذكاء والفطنة، فالجانب الذكي هو من صنع الإنسان أما السمك فيدخل “القرقور” إما بسبب غبائه أو للمغريات التي وضعت داخل هذه الشبكة!

حالة الكثير من التيارات السياسية والمكونات الاجتماعية الكويتية تشبه كثيراً الأسماك غالية الثمن كالهامور والنقرور والسبيطي، وهي تضرب الأخماس بالأسداس في “قرقور” الحكومة التي نجحت باقتدار في صيدها جميعاً في نفس الفخ.

كل مكون مجتمعي كويتي صار يلوذ بنفسه في حركة تائهة وفي نفس الشبكة مع المكونات الأخرى، وهذه الأسماك السياسية لا حول ولا قوة لها في إنقاذ بعضها البعض، والوحيد الذي بيده مفتاح نجاتها هو الصياد الحكومي!

التنظيمات الدينية وخاصة جماعة الإخوان المسلمين تم قطع الماء والكهرباء والتمويل عنها سواءً من خلال الاستحواذ على شركاتها المالية الكبرى مثل بيت التمويل ودار الاستثمار أو استبعادها من المناصب القيادية العليا والوسطى في الدولة.

القبائل أو عدد مهم منها باتت تعيش هاجس الخوف من تهمة ازدواجية الجنسية ومن ثم سحب الجنسية الكويتية من أبنائها، وبدأ الخناق يزيد عليها بعد إعلان وزارة الداخلية عن نيتها في فرض البصمة الوراثية والتنسيق مع الدول المجاورة لاصطياد المزدوجين.

العوائل الحضرية أو البعض منها خصوصاً أصحاب المواقف السياسية المعارضة تم استبعادها بشكل ملحوظ عن المناقصات الكبيرة وحتى عن الحقائب الوزارية التي تعتبر بوابة المشاريع الكبيرة ومن ثم النفوذ السياسي والاجتماعي.

الشيعة من جانبهم تحولوا في نظر الحكومة إلى طابور خامس وصاروا يتهمون في ولائهم ومواطنتهم وباتوا في دهاليز الملاحقات القانونية وأروقة القضاء، وأصبح الإعلام مسلط عليهم بشكل سلبي ومنظم.

هذه الفئات المتنوعة كانت خلال مراحل زمنية مختلفة حلفاء إما تكتيكيين أو استراتيجيين للسلطة، واستخدمت لضرب شرائح أخرى بشكل مدروس وصريح، ولذلك فأن أسرارها ونقاط قوتها وضعفها مكشوفة تماماً عند الحكومة فصارت قادرة على استدراجها وصيدها بسهولة متى ما أرادت أو انتهت صلاحيتها الزمنية.

معضلة هذه الفئات فيما بينها أنها كانت بمثابة الفخار الذي كسّر بعضه البعض وانقطعت بالتالي كل خطوط الثقة والتفاهم والتنسيق فيما بينها، وبات الخيار الوحيد لكل منها محاولة التودد من جديد للحكومة تحت عنوان المصالحة، وهذه المصالحة لم تعد قائمة على متطلبات سياسية ووطنية في مجال الإصلاحات ولكن من أجل مشاكلها الخاصة وما يتعلق فقط بمصالحها البسيطة المحدودة، ولذا لا نستبعد أن ترفع الكثير من هذه التيارات راية السمع والطاعة لكل ما فعلته الحكومة من تغيرات سياسية كانت مرفوضة قبل فترة على نطاق شعبي واسع، بل قد تتعهد بكل سرور في المشاركة بضرب الفئات الأخرى من أجل الرضا الحكومي، فيا لذكاء الحكومة ويا لتعاسة التيارات السياسية!