القضاء وعبدالله السالم!

20 يناير 2017

د. حسن عبدالله جوهر

القضاء يحترم بلا شك وأحكامه النهائية واجبة التنفيذ، وأي حكم قضائي لا بد أن يميل إلى أحد المتخاصمين فيسعده ذلك بقدر ما يزعج الطرف الآخر في الخصومة، وذلك على تفاوت درجات التقاضي وتنوع القضايا المتنازع عليها، لكن هذه المسلّمات لا تحصّن أحكام القضاء من التقييم سواءً بالإشادة أو النقد، ولهذا تدرّجت المحاكم وتنقض أحكامها، كما تشرّع بعض القوانين لمخاصمة القضاء ذاته ومنها عدة اقتراحات تم تقديمها في مجالس الأمة المتعاقبة.

هذه مقدمة للتعليق على حكم قضائي صدر مؤخراً على درجة الاستئناف يبرئ أحد المتهمين في انتهاك قانون الوحدة الوطنية بالإساءة الصريحة والموثقة بالصوت والصورة وبعبارات مشينة ومحرضة على معتقدات الشيعة واصفاً إياها بالشرك وحرمة الصلاة في مساجدهم، ورغم أن الحكم الابتدائي قد أدان المتهم ولو بالغرامة المالية، ولعل منطوق الحكم كان وقعه أشد ألماً وغضباً من فعل المتهم المبّرئ لدى قطاعات واسعة من المواطنين، باعتبار أن ساحة القضاء هي الملاذ الأخير والحصن الحصين لحفظ وحماية كرامات الناس ومعتقداتهم وحقوقهم الشرعية والقانونية والدستورية.

أن ما يختلج في صدور وعقول البعض من أمراض نفسية أو أفكار منحرفة أو عدم التورع في إثارة الفتن بين الناس قد لا يمكن علاجه، ولكن حماية المجتمع من شروره هي إحدى أهم واجبات القضاء منعاً من تفاقم هكذا تجرؤ على حقوق الآخرين أو عدم إطلاق العنان للطرف الآخر لردود فعل عكسية تؤدي نتائجهما معاً إلى حالة من الفوضى ومزيداً من التوتر.

قد يكون خيطاً رفيعاً بين حرية الرأي وتجاوز القوانين، خاصة في البلاد التي تتمتع بدرجة متقدمة من الحريات، ولكن اعتبار الطعن المباشر والمقزز في إطار الحرية الشخصية وبإقرار الحكم نفسه الذي اعتبر أقوال المتهم عنيفة ثم الحكم ببراءته فهذا عين الاستغراب، وقد يكون مدعاة لقاعدة قانونية تطلق يد الجميع في ازدراء مختلف شرائح المجتمع، وبالتالي تحويل قانون نافذ وبعنوان عريض يدعو إلى التفاؤل بحفظ النسيج المجتمعي من التمزق باسم “الوحدة الوطنية” مجرد حبر على ورق!

لا نزايد في الوحدة الوطنية ولكنها الصمام الوحيد للأمن والأمان والاستقرار في أي مجتمع، وفي مجتمعنا الكويتي الصغير والمتنوع تحديداً، وإذا عجزت مؤسسات الدولة وسلطاتها الدستورية المختلفة عن ترجمة هذا المفهوم وتفعيله قولاً وعملاً، والحفاظ عليه بكل قوة ووضوح، فتلك هي الطامة الكبرى.

لعل من المفارقات التي يجب أن نقف عندها ونتحسر على ماضينا الجميل هو ما كتبه المغفور له أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم لأحد علماء النجف الأشرف في 14 نوفمبر 1960، أي في نفس يوم منطوق الحكم القضائي الأخير لكن قبل 56 سنة، وفي قضية مشابهة تماماً عندما أساء أحد الكتاّب إلى الشيعة ومعتقداتهم على النحو التالي: “وإننا إذ نستنكر عمل هذا الجاهل المفسد، نود أن نؤكد لكم ما تعرفونه من تقديسنا لحرمة آل البيت، واشتراكنا معكم في الشعور، وأن المذكور قد جرح شعورنا بمثل ما جرح شعوركم وأننا في الدين جماعة واحدة لا يفرق بينها مثل أعمال هذا الجاهل الذي أبعدناه عن الكويت حين وصل إلينا خبر ما عمله وكلنا أمل بأن مثل هذا العمل لا تتكرر في المستقبل”!