الرأي العام 31 أغسطس 1996

المجلس المقبل ودولة القانون
قد لا يختلف اثنان على خصوصية الواقع الكويتي فيما يتعلق بالألفة وحسن التعايش والسماحة في إطار الشعور بوحدة المصير والدفاع عن حالة الرخاء وبحبوحة  العيش التي تغطي في الغالب معظم قطاعات الشعب إذا لم تقل عمومه. ولهذا فإن مقولة “الله لا يغير علينا” نابعة بصدق من قلب كل كويتي بغض النظر عن فكره وتصنيفه الاجتماعي أو السياسي أو المعتقدي. فعبارة “الله لا يغير علينا” بمعنى آخر تعني المظلة التي يتطلع الجميع إلى الاحتماء تحتها في سبيل تحقيق أهدافه السياسية وغير السياسية في جو من الأمن والأمان والرخاء. وقد تنفق في معظمنا على أن هذه الحال ورغم بساطتها وتلقائيتها العفوية كسلوك ووجدان ومحتوى إلا أنها عميقة الجذور والتأصل في الكثير من قطاعات النسيج الاجتماعي والتراث الثقافي الكويتي وعلى أضعف الإيمان، ونقول هدا الكلام فقط لتقريب الفكرة، بأن هذه الحال ومثل هذا السلوك يعكس طبيعة العلاقة بين الفئات الأكثر تجانساً والأقوى التحاماً. ولعل ظروف المعيشة في الماضي وسبل مواجهة خشونة العيش هي التي نحتت هذا اللون من التعايش على أحفورة الماضي الكويتي. ثم جاءت الطفرة النفطية لتحضن الجميع مرة أخرى في جبهة موحدة لكي تتنعم بالخير المتدفق بوفرة وبشكل مفاجئ.

وجاء الاستقلال السياسي عام 1961 ليؤطر هذه الطريقة في الحياة والمعاملة في إطار مقنن ومواكب للتغيرات الإقليمية والدولية السائدة في تلك الحقبة فكان الدستور الكويتي لسنة 1962 الغطاء الواقي والدرع الحصين للشعب الكويتي ليواصل في ظل حمايته طريقته الخاصة بالحياة “المبحبحة” هذه المرة وعدم السماح للآخرين باختراق هذه الجبهة الموحدة.

ومن هنا نجد أن الكثير من التشريعات والقوانين التي سنت في بدايات العهد الدستوري جاءت بطريقة محددة لخلق قالب كويتي يضمن له كل مقومات الرخاء والخصوصية والحصانة “الكويتية” ومما ساعد على ذلك الوفرة المالية المتعاظمة مع الوقت واستمرار دوران المواطن العادي في فلك الحياة الروتينية القائمة على الإفراط في الاستهلاك والبذخ والسفر إلى الخارج والتمتع بالخدمات المجانية من كل حدب وصوب.

وفي هذا الإطار كانت الممارسة السياسية في جلها مجرد واجهة يتفاخر بها المواطن نعم ولكن تفاصيلها وخوض غمامها وترتيب تكتيكاتها كانت حكراً على فئات خاصة ومحددة لعبت دوراً مهماً في إدارة شؤون البلد ليس بالطرق القانونية والقنوات المؤسسية وغنما من خلال الطريقة الكويتية التقليدية كالمجلات والدزات الخاصة وإن خالفت القانون أو التفت عليه. ولا ننكر أن تلك الفترة شهدت أصواتاً وأحياناً كثيرة أصواتاً عالية ومدوية تطالب بأن تسير الممارسات السياسية بحسب الأصول القانونية، إلا أن تأثير هذه الأصوات كان محدوداً إذا لم يكن معدوماً في معظم الأحيان. ومع تنامي مستويات الفهم والوعي السياسي بدأت البلاد تشهد أطروحات ومتبنيات عملية تهدف إلى تجسيد روح القانون والعمل الدستوري والسياسي المناسبين. ولكن نظراً لتجذر الحالة التقليدية وجدت الكثير من هذه الأطروحات والتيارات الحاضنة لها نفسها في ورطة فإما احتواء روح الحالة الكويتية التقليدية أو التصدي لها باسم القانون وبالتالي حرمان نفسها من الدعم الشعبي. ولهذا كان لزاماً على معظم التيارات السياسية أن تتقبل صور الواسطة والسماحة والمفاضلة وإغداق النعم ولو في إطار التيار نفسه في سبيل تحقيق مصالح ومكتسبات سياسية.

وفي الوقت نفسه أدت ترسبات الممارسات الخاطئة للتمثيل السياسي والعمل الشعبي وخصوصاً فيما يتعلق بجوانب التقنين ورسم السياسات العامة وطرح الاستراتيجيات والإشراف على تنفيذها، أدى مثل هذا القصور إلى خلق إما فراغات قانونية لواجهة المشاكل المستجدة أو استمرار ترهات القوانين البالية والركيكة، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى فقدان هيبة القانون وقوة القانون.

وبالتأكيد،فإن تجربة الغزو العراقي الغاشم كانت رغم ماسيها المنعطف الفاصل في تحريك وجدان الشارع الكويتي والمشرع الكويتي في تدارك أمهات المعضلات التي كانت بسبب مباشر أو غير مباشر عوامل هدم للبلد. ولذلك كان رأي الشارع الكويتي في انتخابات 1992 مع تدشين مجلس أمة يقوم على الإنجاز وتفعيل دور القانون وسيادته وهيبته. والمجلس الحالي، وبعيداً عن أية مزايدات، نجح إلى حد كبير في وضع حجر الأساس على الأقل لإقامة مؤسسة تشريعية تتبنى إرشادات الدستور ومواده. ومن هنا يكون الخيار المقبل في تشكيل المجلس المقبل نقطة فاصلة جديدة أما في اتجاه مواصلة دور دولة القانون وسيادة القانون الاستمرار من حيث انتهى مجلس 1992 بتجربته الجيدة في ظل الظروف العصيبة التي مرت بها البلاد، أو في اتجاه العودة إلى الوراء وأحياء سياسة تفريغ البلد من القانون وتحويل مجلس الأمة إلى ديوانية لعقد الصفقات على حساب الشعب وفي وضح النهار.