الجمعة 04 يوليو 2008

المحكمة الدستورية.. صمام أمان للديمقراطية

د. حسن عبدالله جوهر

بعد أن نشرت وزارة الداخلية أرقامها النهائية والرسمية لنتائج انتخابات مجلس الأمة لعام 2008 يكون لزاماً توضيح بعض الأمور توثيقاً للتاريخ، وتأكيداً لسلامة ودقة الانتخابات في المستقبل، وستكون هذه المقالة مبنية على حسن الظن الكامل بكل من أشرف على العملية الانتخابية وراقبها منذ بدايتها وحتى نهايتها درءً لأي تعليقات عاطفية أو سياسية.

فالانتخابات الأخيرة كانت وفق كثير من المقاييس استثنائية وحساسة كونها التجربة الأولى لنظام الدوائر الانتخابية الخمس وحق الاختيار لأربعة مرشحين، وكونها انتخابات مبكرة جاءت بعد حل مجلس الأمة، وهذا ما حدا بوجود ارتباكات عملية وإدارية وفنية لم تخلُ من أخطاء بشرية جسيمة قد تغير نتائج مجلس الأمة بدخول مرشحين سقطوا رسمياً ونجحوا واقعياً، ناهيك عن التفاوت الكثير في الأرقام التي حصل عليها معظم النواب الناجحين.

وهنا يجب أن نوجه الشكر والتقدير إلى القضاء الكويتي والمحكمة الدستورية تحديداً على هذا الموقف الشجاع وقبول الطعونات وإلزام وزارة الداخلية بتقديم أرقامها الرسمية وما قد تتطلبه الإجراءات القانونية من إعادة فرز بعض الدوائر كاملة، وقد تكون هذه أول سابقة تحكم فيها المحكمة بتعديل النتائج، لتقر بذلك بأخطاء القضاة والمستشارين الذين أعلنوا النتائج الرسمية في يوم 20 مايو 2008.

وقد ذكرت شخصياً في مناسبات عدة وكذلك في صحيفة الطعن التي تقدمت بها إلى المحكمة أسوة بعشرات المرشحين، أن أرقام الانتخابات ليست ملكاً لأي مرشح بقدر ما هي حقوق دستورية للمواطنين الكويتيين الذين شاركوا في ممارسة الديمقراطية، لذلك يجب أن يوثق تصويتهم للتاريخ وفي سجلات الديمقراطية الكويتية، كما تبين صدق ادعائنا بأن عشرات الآلاف من المواطنين قاموا بالإدلاء بأصواتهم، وكان قد أُعلن أن نسبة المقترعين لم تتجاوز 37%، وهذا قد يخلق انطباعاً، يحلو لبعضهم أن يروج له، بأن هناك ردة وكفراً بالديمقراطية الكويتية، وفي مجلس الأمة على وجه الخصوص، وقد تبينت بعض الحقائق الآن بأن الدائرة الأولى قد شاركت بكثافة تزيد على 77% في انتخابات2008.

ومن ناحية أخرى، ومن خلال بعض الاتصالات مع المسؤولين في وزارة الداخلية بعد ظهور نتائج الانتخابات كانوا يؤكدون وجود فوارق كبيرة في الأرقام التي أعلنها القضاة، ولكن كان هناك تردد ثم إصرار على عدم إذاعة وزارة الداخلية لأرقامها، وعُلل ذلك بعدم إحراج القضاة، بل اكتفت الوزارة بإعادة إعلان النتائج التي أفصح عنها رؤساء اللجان الانتخابية ولم تعلن نتائجها، وهو الأمر الذي يثير علامات استفهام كبيرة، بل امتنعت “الداخلية” عن تزويدي شخصياً بأرقام كشوفها من خلال سؤال برلماني، وهنا نتساءل ما هو مصير تلك الأرقام لو لم تطلبها المحكمة الدستورية؟! وأين مبادئ الشفافية وروح المسؤولية وتفعيل مواد الدستور؟

صحيح أن الأخطاء التي وردت خلال الفرز أو التجميع هي نتاج الجهد والارتباك البشري لعمل استمر على مدى 35 ساعة متواصلة، ولكن الإقرار بالخطأ فضيلة، وهذا ما تحلّت به المحكمة الدستورية، فكل الشكر للقضاء الكويتي والسادة المحامين وعلى رأسهم الأستاذ محمد عبدالقادر الجاسم الذي كان نجم الانتخابات الأخيرة ونجم ما بعد الانتخابات وكذلك الطاعنين جميعهم الذين مارسوا حقهم الدستوري حتى تتجلى الحقيقة كاملة.

فلو مرت هذه التجربة بأخطائها الجسيمة دونما حراك أو تدقيق، ومن ثم التصويب السليم، لكان ذلك مقدمة لأشكال التدخل والتلاعب في أي انتخابات مستقبلية، وهذه المرة بسبق إصرار وترصد، وخصوصاً ممَّن يتوعدون الديمقراطية الكويتية ويحاربون الدستور، وبالتأكيد يحاربون مَن يدافع عن حماية الدستور من نواب أو مرشحين في المستقبل، وعند ذاك قد “يفصّل” المجلس النيابي “تفصالاً” وحسب المواصفات المطلوبة ومن خلال انتخابات حرة ونزيهة!