شقشقة

المعارضة.. عارضة

تباهى الكويتيون عادة بتراثهم العريق في الممارسة الديمقراطية التي تعود إلى عهود قديمة كان العالم يرزح خلالها تحت سلطات ديكتاتورية وشمولية متعددة الألوان.

ويتباهى الكويتيون أيضاً بأن ترجمة العمل بالديمقراطية والمشاركة السياسية بحليتها الرسمية “أي الدستورية” قد بدأت في السنوات المتقدمة للثورات الديمقراطية في العالم، ولا سيما العالم الغربي، فيؤرخ البعض تاريخ الديمقراطية العملية في هذا البلد عند أحداث سنة 1921 وظهور الوثيقة الدستورية بينما شهدت سنة 1938 إحدى أبرز صور الديمقراطية الحديثة في الكويت متمثلة بالمجلس التشريعي المنتخب.. أما عام 1962 وما بعده فهو عهد الحكم النيابي المستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ورغم عراقة الديمقراطية الكويتية تبعاً لهذه المقاييس، إلا أنها لم تعكس أبعاد قواعد اللعبة السياسية وشروطها وأطرافها كما هو المفترض أو حتى على الأقل كما هو متوقع في إطار هذه التركيبة السياسية.

وكانت الحجة في عدم تطور الفهم السياسي والتطبيق العملي للديمقراطية دائماً تدور حول خصوصية الوضع الكويتي وضرورة ممارسة العمل الديمقراطي في إطار الأسرة الواحدة الكويتية هذا المفهوم الذي يمكن تصويره بأنه مهما اختلفت وجهات النظر ومهما تعمقت الخلافات بين أقطاب هذه الأسرة إلا أنها تلتقي أخيراً على بساط واحد تفرش عليه الموائد الدسمة وعادة ما تكون مؤلفة من الأرز وقطع كبيرة من “اللحم الهبر” وسرعان ما تذوب أسباب الخلاف والاختلاف إذا ما تقاسم أطرافه المقسوم من تلك الوليمة الكبرى!

ورغم أنه بالمقدور تفهَم خصوصية البيت الكويتي وعدم تحمله لبعض المرتكزات الأساسية الخاصة بالعملية الديمقراطية كالأحزاب السياسية، وتقسيم الأرزاق السياسية تبعاً للتصنيفات المعقدة والفسيفسائية لشرائح المجتمع على أسس قبلية وعائلية وطائفية ولكن هذا ليس مدعاة لتبني الديمقراطية بشكل أعرج والنظر فيها بعين أعور والتبجح بها بلسان ألدغ.

فمثل هذه الممارسات والتي ما من شك بأنها الطافية على المسرح السياسي لا تعمل فقط على عرقلة التطور الديمقراطي، بل إنها كفيلة بتشويه صورة هذه النظرية الاجتماعية- السياسية الحقيقية. ولعل السر في عدم ظهور المعنى الحقيقي. والفعلي للمعارضة السياسية تجريتها الديمقراطية يعود إلى رفض تبني فكرة المعارضة “كمعارضة” تقوم على مبادئ وأصول وبرامج بديلة للبرنامج الحكومي. ولكن ما يحصل هو ظهور المعارضة كحالة طارئة أو عارضة بعد كل تشكيل حكومي لا يحمل في طيَاته حقيبة وزارية أو أكثر لفئة “سياسية، أو اجتماعية، أو عائلية، أو قبلية، أو طائفية..” أو تستبعد منه رموز مثل هذه الشرائح. وبمعنى آخر، فإن المعارضة حالة دورية يعاني منها من لا يدعى إلى مائدة مجلس الوزراء، ولا يتعلق الأمر بتطبيق برامج جديدة وبديلة أو حتى المساهمة من داخل السلطة التنفيذية لتعزيز الفهم الديمقراطي ونشره على أرضية عادلة يستفيد منها الجميع داخل الحكومة وخارجها.

ومما يدل على ذلك، انصهار معظم المبادئ والبرامج التي يدعو لها “المعارضون” وهم في خارج التشكيل الحكومي في التوجهات التقليدية والواضحة للحكومة فور لبسهم البشت الجديد وحصولهم على قسيمة مساحتها 750 متراً مربعاً ومبلغ ربع مليون دينار للبناء ومخصصات سنوية تصل إلى 50 ألف دينار وراتب شهري يبلغ حوالي 2300 دينار وعدد من السيارات والهواتف الخاصة وهدايا وحرس، وتضع تحت إمرته ميزانية لا تقل عن 25 مليون دينار في أقل الوزارات أهمية، وما خفي كان أعظم؟!