الاثنين 19 يوليو 1993

شقشقة

الولاء للمليارات في الخارج!

ثمة مؤشرات مالية مؤكدة تبين الحجم الهائل من عملية تهجير رؤوس الأموال والمشاريع التجارية الكويتية للخارج، فبعد تحرير البلاد من كارثة الغزو والاحتلال مباشرة، جاء تصريح من محافظ البنك المركزي بأن ما يربو على ستة مليارات دولار قد تم تحويلها للخارج في الشهور الأولى من عصر ما بعد التحرير، واليوم ونحن ننتظر الذكرى الثالثة للغزو العراقي صرح النائب  د. ناصر الصانع عضو اللجنة المالية في مجلس الأمة بأن حجم التحويلات الخارجية ونقل المشاريع الاقتصادية في القطاع الخاص قد تجاوز السبعة مليارات دولار، وبعملية حسابية بسيطة إذا جمعنا هذه المبالغ وأضفنا إليها المليارات الخمسة المختلسة وحجم الخسائر في استثماراتنا في العالم، إضافة إلى تكاليف فاتورة حرب عاصفة الصحراء وعقود الاعمار المبرمة بعد التحرير وكذلك الاختلاسات الفردية والجماعية هنا وهناك، من الثابت إذا أن خزينتنا الوطنية بدأت تصفر وقد لاح بريق أرضية الجوري المركزي.

أن مثل هذه الإجراءات ولا سيما فيما يتعلق بنقل الأموال، الأمر الذي لم يعد قاصراً على التجار بل حتى موظفي الطبقة المتوسطة تعكس واقعاً طالما أردنا أن نسطره في حلقات “شقشقاتنا” ويحكي هذا الواقع بأن عامل الولاء والارتباط بهذا الوطن مرهون بقيمة الثروة التي تحتضنها وليس عدد ذرات الرمل والحصى التي تفترشها أرض الكويت، وأن مقادير الرساميل التي صدرت أحكام النفي بحقها من قبل “أصحابها” بغض النظر عن كيفية جمعها وكنزها طوال هذه الفترة التي تلت تفجر ينابيع النفط تبين وبوضوح أن المسألة بدأن تلج في صميم تأمين المستقبل، ولكن أي مستقبل؟ والجواب مستقبل الأجيال القادمة لذوي التجار والأثرياء وليسوا أنفسهم الذين طعن فيهم العمر سهامه فأثقل كاهلهم.

وحسبنا صوراً من النماذج الحية التي بثتها وسائل الإعلام عن بعض الكويتيين الذين قضوا إجازة الغزو في مصايف باريس وجنيف وريو ينتظرون بفارغ الصبر نعمة التحرير.

أن خطورة هذا الوضع لا تتجسد في عملية تجريد الوطن من ثروته وأمواله، فمن حق الإنسان أن يسعى وراء رزقه وتنمية أمواله وكفالة مستقبل عياله ولكن المصيبة تكمن في تجريد هذه الأرض من شرايين الولاء والمحبة والاستعداد للعيش فيها بحلوها ومرها وبرفاهية وجشوبة العيش فيها، فالكويتيون عاشوا أحلك الأيام وأصعبها ولكن نبتت فيهم غيرة الولاء والحب لهذه الأرض والاستعداد للتضحية من أجلها، وسيظل الأصلاء في هذا البلد أوفياء له مفضلين العيش على ترابه وإن جردوا من الأموال على الهروب فيها بعد النضوب.. نضوب النفط وبعض القلوب!!

“وتلك كانت شقشقة هدرت ثم قرت”!