“بدون”.. مواردنا!

14 أغسطس 2015

د. حسن عبدالله جوهر

منذ فترة طويلة لم أكتب عن شريحة البدون ومعاناة هذه الفئة المغلوب على أمرها والتي باتت تحارب من المهد إلى اللحد، فلا شهادة ميلاد ولا إذن دفن للمتوفين إلى رحمة ربهم إلاّ بعد معاناة وإذلال ومنّة في غير محلها على الإطلاق، فما بين الولادة والوفاة الغالبية العظمى من البدون يعيشون في الجحيم، لا تحترم فيهم الإنسانية وكرامتها أو العدالة وتطبيقاتها أو حتى الإحسان وموارد الإحسان، فلا تعليم ولا علاج ولا سكن ولا توظيف ثم نطالبهم بأن يكونوا من خيرة الناس سلوكاً ونهجاً.

لكن ما استفزني للكتابة حول هذا الموضوع مجدداً بعض التصريحات النيابية وفي وسائل إعلام أجنبية تعتبر في رأيي مسيئة لنا كبلد اسمها الكويت، ليس من باب الدعاية والتطبيل غير المستحق إطلاقاً وإنما لمواردنا وإمكانياتنا وعطائنا السخي لأكثر من مائة دولة حول العالم!

عندما يقال بأن الدولة تصرف أموال ضخمة على البدون وعلى لسان من يمثل الأمة فهذه طامة كبرى، فبالله عليك كم صرفت الحكومة على أبناء البدون منذ عام 1988 عندما بدأت سياسة الضغط عليهم وفصلهم من وظائفهم وحتى اليوم؟ وما هي موارد الصرف هذه؟ أهي في مجال الصحة والعلاج حيث يدفع البدون رسوم مراجعة المراكز الصحية والمستشفيات؟ أم في مجال التوظيف حيث يتم تعيين بضع مئات من الجامعيين براتب لا يتجاوز 120 دينار شهرياً في بعض الوزارات والشركات الخاصة دون أن تسدد معاشاتهم لمدة طويلة تزيد عن ستة شهور أحياناً؟ أم في تلك المساكن الشعبية المتهرئة التي تشبه قرى الصفيح في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وقد انتهى عمرها الافتراضي ولا يتحمل العيش فيها حتى المقيم الذي جاء من أفقر بلدان العالم طلباً للرزق في الكويت؟

أما التعليم بالنسبة للبدون فهو أم الكوارث لأن المحتاجين إلى هذه الخدمة هم من الأطفال واليافعين وقد خصصت لهم الحكومة “صندوقاً خيرياً” يتم تمويله من المحسنين وبعض الشركات والبنوك المحلية وبميزانية سنوية بالكاد تصل إلى خمسة ملايين دينار، وحتى هذه الأموال تدفع لمجموعة من المدارس الخاصة المزرية في مبانيها والسيئة في تعاملها مع الطلبة البدون من باب التنفيع لا أكثر ولا أقل، ومن يقبل من خريجي الثانوية في الجامعة يجب إما يكون ابناً للكويتية أو بمعدل لا يقل عن 90%، فما هو الفضل وأين محل المنّة التي تستحق أن نشيد بها في الإعلام الأجنبي؟!

النكتة السمجة الأخيرة هي أن موارد الدولة محدودة! ولم تكن هذه الموارد محدودة إلاّ في تعليم البدون بينما بلغت الهبات والمساعدات والقروض التي قدمتها الدولة للخارج في العام الماضي أكثر من 12 مليار دولار، لربما لهذه السبب أصبحت مواردنا محدودة، فلنتق اللّه في هذه الشريحة المظلومة التي بات شبابها يستدرج للجريمة والإرهاب، ولنتق شر دعوة المضطر والمحتاج ونحن على أبواب المدارس بعد شهر تقريباً، فعلاً هزلت في بلدنا أن تنقلب الآية بأن تكون الحكومة أكثر حرصاً على تعليم البدون من مجلس الأمة المنتخب شعبياً، يا أخي العزيز هل تعلم بأن الأرصدة المتضخمة في حسابات بعض نواب مجلس 2009 والتي تم كشفها من بنكين فقط بلغت 96 مليون دينار وهذا المبلغ يكفى لتعليم أبناء البدون وفق الصندوق الخيري لمدة عشرون سنة، فهذه هي مواردنا المحدودة!