بوتين.. قلب الأسد!

19 سبتمبر 2015

د. حسن عبدالله جوهر

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اختار القرار الصعب والذكي في نفس الوقت من حيث انتقاء الزمان والظروف السياسية للدخول مباشرة وبثقل كبير إلى سوريا، والاتهام الأول الذي قد يواجهه هذا الرجل هو إنقاذ نظام بشار الأسد، الأمر الذي لا يأبه به بوتين في مسعى لنيل لقب قلب الأسد!

الرئيس الروسي واجه الولايات المتحدة وأوربا في أوكرانيا بعدما انتزع شبه جزيرة القرم الإستراتيجية وفرض الحكم الذاتي الروسي في نصف الجمهورية السوفيتية السابقة وحقق معظم شروطه رغم المقاطعة الاقتصادية التي يبدو أنها أضرت الغرب أكثر من روسيا، ورغم تدهور أسعار النفط التي أثقلت كاهل بلاده مالياً.

 اليوم محطة بوتين هي سوريا ومقومات نجاح مهمته تبدو سانحة جداً، فمن حيث التوقيت الولايات المتحدة في أضعف مراحلها دولياً، كما أنها منشغلة بالانتخابات الرئاسية القادمة، وأوربا منقسمة على نفسها في الشأن السوري وفجأة أصبحت الجهة التي تدفع أعلى ثمن بعد تدفق اللاجئين إليها بالملايين، بينما إيران الحليف السياسي لموسكو حيدّت واشنطن وحلفائها بعد الاتفاق النووي، كما يحتاجها الغرب بما فيهم الأمريكان كلاعب رئيسي في هندسة النتائج السياسية في حال نجاح المشروع الروسي على الأرض السورية لكي لا يخرج الغرب من المولد بلا حمص! أما الخليج فقد انشغل بالحرب اليمنية حتى النخاع دون نتائج حاسمة ونهائية على الأرض ولم تسلم قواتها من ضربات موجهة وثقيلة.

أما التبرير الروسي فلا يمكن أن ينازع عليه أحد، فالأمريكان ومعها 60 دولة فشلوا فشلاً ذريعاً في مواجهة داعش في سوريا، وامتداد هذه العصابة اليوم أكبر حجماً منذ إعلان الحرب على داعش قبل أكثر من سنة، وحتى مشروع المعارضة المعتدلة وتسليحها أمريكا انتهت بمسرحية هزيلة عندما لم يتبق من هذا الجيش الجديد سوى خمسة جنود بينما سلّم البقية أسلحتهم لداعش وبايعوا أمرائه! فالروس أعلنوا نفس الحرب والمقاومة السياسية للولايات المتحدة وأوربا وتركيا لم تصمد سوى ساعات قبلوا بعدها التدخل الروسي ومعه أيضاً الموافقة على بقاء الأسد في السلطة! وقد يكون التدخل الروسي أكثر إقناعاً كون غالبية المقاتلين المرتزقة في سوريا هم من الشيشان وبقية الحديقة الخلفية لروسيا الاتحادية ووجودهم وخبرتهم العسكرية يعد مصدر تهديد للأمن القومي الروسي.

معركة بوتين يفترض أن تكون شرسة وبلا حدود لأنها حرب وجود أو لا وجود، وهي مفتاح جديد لنظام عالمي آخر ومدخل روسيا نحو النفوذ الكوني، وفشل الحرب الروسية في سوريا قد يكون مكلفاً على غرار تفكك الاتحاد السوفيتي إثر هزيمته في أفغانستان، وهذه العقدة بالتأكيد شاخصة أمام بوتين وحكومته.

أن نجاح بوتين في سوريا لا يخدم مشروع موسكو فحسب بل يعزّز مكانة حلفائه الإقليميين، وسوف يحظى الرجل بشعبية كبيرة في الشارع العري الذي عانى الأمرين من مجازر وإرهاب الجماعات الدينية، ليثبت الإدعاء بأن هؤلاء المجرمين فعلاً كانوا صنيعة غربية وبدعم من حكومات المنطقة نفسها، فبوتين لم يأت فقط لإنقاذ الأسد وإنما ليكون هو قلب الأسد!