بوصلة الإنسانية!

د. حسن عبدالله جوهر

12 سبتمبر 2014

تكريم صاحب السمو الأمير كقائد عالمي للإنسانية على مستوى الأمم المتحدة بقدر ما يمثل من حفاوة وتقدير فهو يمثل تحدّياً واختباراً لنا كبلد وشعب، فسمعة دولة الكويت في سجّل الإنسانية وعبر المحافل الدولية لها تاريخ طويل وحافل، فقد كانت بلدنا سباقة في تقديم المساعدة للأمم والشعوب الفقيرة قبل ظهور النفط، وتحوّل هذا النهج إلى عمل مؤسسي رائد شمل قارات العالم وبات محور ارتكاز في السياسة الخارجية التي أدارها لفترة طويلة أيضاً سمو الأمير إبان تولية الحقيبة الوزارية.

لعل ما ميّز شخصية الشيخ صباح الأحمد كحاكم أن المساعدات الإنسانية في عهده أخذت طابعاً أممياً من خلال مؤتمرات يشارك فيها زعماء العالم والمؤسسات الدولية والهيئات الإنسانية، وخاصة فيما يتعلق بالقضية السورية والأحداث المؤلمة في القارة الأفريقية والتداعيات الخطيرة في آسيا إضافة إلى التجربة مع الجارة العراق، فكانت الدبلوماسية الكويتية تتعامل وفق مبدأ رد الإساءة بالإحسان، والنأي عن إقحام البلد في أتون الفتن والتجاذبات، فما انفقته الحكومة الكويتية على المساعدات في العراق وسوريا ومصر والبحرين والسودان وغيرها من البلاد الصديقة قد لا يقارن مع المليارات التي ضخت من قبل دول وحكومات وأحزاب للقتل والدمار والحروب الأهلية، فالكويت لم تميز في عطائها طرفاً على طرف، ولم تدفع لجبهة لقتال جبهة مضادة، بل منحت للإنسانية المنكوبة وللشعوب المستباحة، ومن أجل البناء وليس الهدم والدمار فاستحقت بأميرها هذا التكريم الأممي.

إذا كانت العولمة الحديثة قائمة على النفوذ والاستغلال والهيمنة على المصالح الخاصة بغية بسطها على الآخرين في بعض جوانب هذه الظاهرة الكونية، فإن الكويت تساهم في تعزيز الوجه المشرق لهذه العولمة ومدى حاجة الناس لبعضها البعض في المشرق والغرب في الجانب الإنساني والبعد الوجداني، ولهذا فأن الكثير من الدول والزعماء الكبار لم ينالوا هذا الشرف العالمي على الرغم من الإنفاق الضخم لأنها مشروطة ومبنية على فكرة المصلحة والهيمنة والنفوذ.

تكريم صاحب السمو كقائد للإنسانية سوف يتبعه تحويل الكويت إلى مقر أممي باسم الإنسانية أيضاً، وهذا هو التحدي الأكبر، فنجاح هذا المشروع يتطلب أن تسير الثقافة الوطنية والسياسة الخارجية وتوجهات النخب السياسية والاجتماعية ومؤشرات الرأي العام في خطوط متوازية ومكملة لبعضها البعض في ترسيخ قيم التسامح والأخوة والمحبة وحب الخير للآخرين، ولكن مع الأسف هناك جيوب ما زالت تعمل ضد هذا الحس الإنساني وتحرص على تغذية الفتن وبث روح الكراهية والفرقة في فكر مريض ومتخلف، ولا يمكن أن تتحقق لنا السمعة العالمية وتكتمل أركانها في مجال الإنسانية بأبهى صورها ونماذجها والجبهة الداخلية لا تزال تنزف من الاصطفافات المصلحية والتعبئة الفئوية وتحولت معها أجواء البلد إلى قلق وكآبة وخوف، فقد آن الآوان لنجعل من يوم التاسع من سبتمبر إيذاناً للمصالحة الوطنية وفتح آفاق مستقبل أفضل وغرس بذرة الإنسانية لتنمو وفق البوصلة الأممية التي حددت ديرتنا اتجاهها برمزها وقائدها الأمير حفظه الله ورعاه!