بو طبيع.. ودروس التحرير!

26 فبراير 2016

د. حسن عبدالله جوهر

تتجدد ذكرى العيد الوطني ويوم التحرير وتتجدد معها الذكريات والمواقف المتداخلة بين الحلوة منها والمرة، والجميلة والقبيحة، والمؤلمة والمفرحة، وهذا شيء طبيعي في سنن الحياة ومتوالية الأحداث، لكن المهم فيها الاعتبار والاستفادة والاستعداد للمستقبل مع الطموح نحو الأفضل، ولكن يبدو أننا لم نستفيد الكثير من تلك الأيام الحاسمة في تاريخ بلدنا وشعبنا.

من المفارقات العجيبة التي ينبغي أن نستذكرها أيام الاحتلال العراقي للكويت، وردود الفعل على ذلك، موقف التيارات السياسية والفكرية بنوعيها القومي والديني من سيادة الكويت ومظلومية شعبها وكيانها كبلد، حيث وقفت الأحزاب القومية والتيارات الإسلامية بجلها مع صدام حسين تبارك وتهلّل وتنتصر وتمجّد لدكتاتور استعرض قوته وأفرغ إمكانيات العراق المادية والعسكرية ضد بلد صغير وضعيف ومسالم، وجابت المسيرات المليونية الكثير من العواصم العربية تستنكر حق الكويتيين في استعادة بلدهم وتعتبر الاستعانة بالأمريكان خيانة عظمى بينما نهب الكويت بما عليها بطولة ومجد!

بالإضافة إلى مجلس التعاون لم يقف مع الكويت سوى مصر وسورية والمغرب ولبنان، ولكن من انتصر لنا هم الأمريكان والانجليز والفرنسيين والروس والصينيين والإيرانيين والأتراك، وهذه التوليفة العربية الغربية هي من نعادي معظمها اليوم، فأية مفارقة هذه؟!

التيارات السياسية الكويتية، الليبرالية منها والدينية، وقعت في حرج كبير عندما كان ألد أعداء الكويت في ذلك الوقت هم من ذات المشارب الفكرية والتوجهات السياسية، لدرجة أن هذه التيارات الكويتية أعلنت براءتها من سلوك وموقف امتداداتها وبني فكرها في العالم العربي، وبعد التحرير أعيد صياغة التنظيمات السياسية الكويتية وخطابها السياسي حول الهوية الكويتية، وأعلنت أن نشاطها القادم سوف ينحصر في الداخل الكويتي وفي إطار العمل السياسي الدستوري.

بعد ربع قرن ونحن نحتفل بذكرى التحرير نجد العجب العجاب، فقد عادت الكثير من التيارات السياسية الكويتية إلى أحضان تياراتها الأم وتناست وضع البلد الذي أثقل في الأزمات السياسية وغرق في شبهات الفساد وبات على مشارف الإفلاس، وهي تعيش حالة المقاطعة السياسية والطلاق البائن مع بعضها البعض، إن لم يكن حالة التحريض على بعضها البعض وتخوين بعضها البعض، بل تحولت بعض هذه التيارات إلى بوق إعلامي ومصدر للتمويل وماكينة لتجنيد الشباب لتيارات وتنظيمات متشددة ومتطرفة هدفها إسقاط الدول والأنظمة، خاصة تلك التي وقفت مع الكويت في محنتها كمصر وسوريا ولبنان.

أصبح حلفائنا بالأمس سواءً الأمريكان أو الروس هم أعدائنا والشياطين الجدد والمتآمرين علينا، فوجب التصدي لهم ومقاومتهم وفك الارتباط معهم، فهل تبدّل هذه المواقف نتيجة لقواعد وموازين القوة والمصالح السياسية، وبالتالي تتطلب ردود فعل ليس إلا؟ أم أن العلة تكمن في الجمود العقلي والعجز عن التفكير وانعدام روح المبادرة في خلق أولوياتنا ووضع استراتيجيات خاصة لمصالحنا؟ يبدو أن كلا السببين فيهما شيء من الصحة والمنطق، ولكن ما يجعلنا نستسلم لمثل هذه الواقع المزري هو مثلنا الكويتي الشهير ” بو طبيع ما يجوز من طبعه”!