الجمعة 10 أغسطس 2008

بيئة التأزيم!

د. حسن عبدالله جوهر

الحساسية السياسية أصبحت مرهفة بشكل كبير لدى الرأي العام الكويتي من إثارة أية مواضيع جدلية في العلاقة بين المجلس والحكومة، فبمجرد طرح موضوع أو التنبيه على ملاحظات حيوية على مشروع معين تكون تهم التأزيم جاهزة خصوصاً إذا كان الطرح من قبل أعضاء مجلس الأمة.

والعقدة السياسية الأخرى التي نعاني منها في تحديد العلاقة بين السلطتين هي تهمة إعاقة التنمية وصد مشاريع النهضة وتحويل الكويت إلى مركز إقليمي متطور يعيد لها أمجادها في مرحلة ما بعد الاستقلال.

وما بين هاتين العقدتين وجد أصحاب المصالح والنفوذ وبعد استسلام الكثير من صناع القرار والمسؤولين الكبار في الدولة لإرادتهم فسحة كبيرة في تمرير ما يشاءون من المشاريع والمبادرات في إطار نظرة ضيقة لا تتعدى المردود المادي والأرباح المالية المتوقعة منها والشهرة الإعلامية من وراء ذلك.

وعلى الرغم من أهمية المشاريع التنموية وضرورة التركيز على التوسع العمراني الحديث وتشجيع المبادرات الذكية والحاجة الفعلية لترجمتها على أرض الواقع كتحدي بشري والدخول في منافسة حضارية وتلبية احتياجات الأجيال القادمة، إلا أن الأهم من ذلك هو مراعاة الجوانب الإنسانية والأخلاقية في مثل هذه المشاريع، فالحضارة والتنمية والعمران ليست مجرد مباني ومنشآت بل أنها ترسيخ لمبادئ الصحة العامة والمحافظة على البيئة وحماية الإنسان من أضرار المد المادي.

ولا نبالغ إذا قلنا بأن البيئة سوف تكون مستهدفة وبشكل منتظم ومركز من قبل الكثير من المشاريع التي صورت بأنها سوف تحول الكويت إلى جنة على الأرض، فمبادرات جسر الصبية وميناء بوبيان ومدينة الحرير وغيرها لم تأخذ بعين الاعتبار أية معايير لحماية البيئة، بل أن المسؤولين والمؤتمنين على الهيئة العامة للبيئة وقعوا شيك على بياض لتمريرها إما حياءً أو تحت الضغط السياسي أو حفاظاً على كراسيهم رغم يقينهم بالكوارث البيئية التي قد تسببها أحلام اليقظة في مناطق غير مناسبة إطلاقاً لإقامة تلك المنشآت العملاقة عليها.

وقد نبهنا مراراً على خطورة تسيد القرار السياسي على الاعتبارات الأخرى ولكن دون جدوى، ونعلم علم اليقين بأن مجرد التصعيد في هذا الملف سوف يثير نغمة التأزيم وتقرع طبول التباكي على التنمية!

ولكن الأخطر من ذلك كله هو استباحة البلد بالكامل من خلال تدشين المخطط الهيكلي الجديد للدولة على مستوى المجلس البلدي ومجلس الوزراء دون أية دراسة للمردود البيئي على هذا المشروع الضخم، وما يدعو للحزن والأسى أن الدولة قد صرفت مبالغ هائلة على ثلاث قطاعات على الأقل كذخيرة لمثل هذا اليوم وهي معهد الأبحاث وجامعة الكويت والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب من خلال تهيئة كوادر متخصصة في شؤون البيئة، وهذه الكوادر من ناحيتها بذلت جهود مخلصة ودءوبة في إعداد الدراسات والبحوث في هذا الشأن، ولكن مصير تلك الجهود التراكمية كانت سلة المهملات في عين أصحاب القرار الكويتي!

وحتى لا نتهم بالتأزيم وهذه المرة بسبب البيئة، فإننا ندعو جمعيات النفع العام والنشطاء في مجال البيئة ووسائل الإعلام للتصدي وبحزم لهذا التهديد القادم الذي لن يرحم أبناءنا ولخلق رأي عام مستنير يمهد لدخول مجلس الأمة على خط المواجهة وعندئذ نفلت من عقدة “بيئة” التأزيم!