تبعات قانون “جاستا”!

04 أكتوبر 2016

د. حسن عبدالله جوهر

قانون “جاستا” لم يناقش من قبل المحللين العرب عموماً والباحثين في منطقة الخليج خصوصاً، في بعده السياسي والاستراتيجي، فقد جاءت ردود الفعل على المبالغ المالية التي قد تستقطعها المحاكم الأمريكية من الأرصدة السعودية في الولايات المتحدة لصالح أسر الضحايا في أحداث 11 سبتمبر الإرهابية، وقد يكون الهدف بالفعل هو التحصيل المالي من أموال السعودية في الولايات المتحدة وبمبالغ ضخمة بل وخيالية، إلا أن الإجراءات القانونية والفنية في هذا الصدد قد تستغرق سنوات قادمة، ومن الممكن أن تتخللها ضغوطات وتحركات سياسية متفاوتة في مقاصدها ومراميها.
إلا أن قانون “جاستا” وهو اختصار لعبارة “العدالة ضد الإرهاب” يحمل بعداً سياسياً مهماً يسعى إلى فرض الهيمنة الأمريكية على دول العالم وفي مقدمتها الدول العربية، حيث يحمّل القانون مسؤولية الأعمال الإرهابية المباشرة منها وغير المباشرة، وعبر التنظيمات أو الأفراد، على الحكومات ويشمل ذلك كل أشكال دعم وتشجيع الإرهاب وممارساته وتطبيقاته بما فيها الفكر والثقافة ومناهج التعليم، ولهذا فأن المملكة العربية السعودية سوف تكون أول من يطبّق عليها مثل هذا القانون.

البعد السياسي للقانون ينعكس أيضاً في الحالات النادرة التي يتغلب فيها الكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب على فيتو الرئيس، وتمثل هذه الأغلبية الكاسحة التي جمعت كل تناقضات الحزبين الديمقراطي والجمهوري، التوجه السلبي للرأي العام الأمريكي ضد العرب والمسلمين، أضف إلى ذلك أن قانون “جاستا” في حال بقائه، وهو الأمر المرجح، سوف يكون سيفاً سياسياً مسلطاً على خصوم الولايات المتحدة، حالياً ومستقبلاً، بما في ذلك أقرب الحلفاء مثل السعودية بعد فك الارتباط معها كما هو حاصل الآن.

قانون “جاستا”، وكما تعكس مواده، قد لا يكون يستهدف السعودية لوحدها، ولكن سياق الأحداث وتطورها فيما يخص العلاقات الأمريكية – السعودية من جهة والاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط من جهة أخرى، تعكس طبيعة وتدرج تدهور التحالف الاستراتيجي الممتد لسبعين سنة بين الطرفين، مع تراجع الاهتمام الأمريكي بمنطقة الخليج بشكل ملحوظ، وقانون جاستا يأتي في توقيت سياسي ضاغط وظروف اقتصادية صعبة تعانيها دول الخليج بما فيها المملكة العربية السعودية وبقاء معظم الملفات الإقليمية الساخنة في العراق وسوريا واليمن مفتوحة على مصراعيها لكل الاحتمالات السلبية، وقرب الانتخابات الرئاسية الأمريكية بمرشحين أعلنا مواقف متشددة ضد ول الخليج بشكل واضح.

يبقى أن الموقف من قانون “جاستا” يجب أن يتجه إلى الواقعية السياسية ويبتعد عن بعض التحليلات الانفعالية أو التقليل من شأن تبعات هذا القانون أو السياسة الأمريكية الجديدة بطريقة سطحية، ففي عالم السياسة يفترض أن تستغل الوسائل والأدوات المختلفة بهدوء وعقلانية، ودول الخليج ما زالت تملك الكثير من الأوراق الناجحة، ولكن عليها بشكل جاد ومنظم إعادة رسم بنية علاقاتها الإقليمية والدولية وفق أدوات الدبلوماسية الناعمة والتفكير في بناء تحالفات استراتيجيات جديدة قادرة ليس فقط امتصاص هذه الضغوط المتزايدة وإنما البدء بعهد جديد ينسجم مع تطلعات وطموحات شعوبها.