ترامب.. بين المطرقة والسندان!

25 يونيو 2019

د. حسن عبدالله جوهر

لم يعد العالم بحاجة إلى مزيد من الشواهد أو المواقف التي تؤكد الشخصية العنجهية والغبية للرئيس الأمريكي، ولا يتعلق وصف دونالد ترامب بالسذاجة المغلفة بقوة أمريكا الدولة بحادث إسقاط “الصقر العالمي” من قبل الإيرانيين ومزاعم تراجع الرئيس الأمريكي عن الضربة الانتقامية في آخر لحظة، أو ما يتعلق بفشل محادثاته مع الزعيم الكوري الشمالي، أو حتى إخفاقه في الانقلاب العسكري للإطاحة بالنظام في فنزويلا، فهذه جميعها إضافة إلى مجموعة إخفاقاته في سوريا والعراق ثم مع روسيا والصين وأخيراً مع تركيا تعكس حالة نفسية صعبة يعاني منها الرئيس الأمريكي.

فمنذ ترشحه للرئاسة الأمريكية حاول ترامب التسويق لنفسه كرجل أعمال ناجح قادر على إثراء الولايات المتحدة من خلال كلمته التي يجب أن لا تنزل الأرض، وتوهم أن كل مقومات القوة الأمريكية كدولة عظمى رائدة عسكرياً واقتصادياً وتشكل القطب السياسي الأول في العالم ستكون تحت تصرفه، إذ أعلن عن ضرورة نسف المؤسسات السياسية الأمريكية ذاتها كمقدمة لتحريك العالم بتغريدة أو تصريح، وبدأ بالفعل محاولة تطبيق هذا المبدأ دون فهم الواقع السياسي وتعقيدات النظام الدولي واستصغار شأن الدول الأخرى وقادتها وشعوبها.

وفي رأيي فأن الرئيس الأمريكي وقع ضحية هذا الغرور المزيّف، وبدلاً من أن يتحكم بالعالم بإشارة أو كلمة منه، بات الكل يتلاعب به وخاصة كبار مستشاريه أو بعض القيادات السياسية في مناطق بعيدة جغرافياً عن حدود الولايات المتحدة، ولذا ظلت الإدارة الأمريكية ولأول مرة في تاريخها منذ الحرب العالمية الثانية بلا استراتيجية أو حتى مجرد رؤية واضحة حول الشأن الدولي، الأمر الذي جعل الرجل يدور في دوامة وحيرة، فكان الرئيس الوحيد الذي يغيرر طاقمه السياسي والأمني بالكامل خلال شهور من حكمه، حيث أزاح وزيري الخارجية والدفاع ومستشار الأمن القومي ومندوب واشنطن في الأمم المتحدة والمتحدث الرسمي للبيت الأبيض وغيرهم بحجة أنهم من الحمائم وأنه يمثل دور الصقر، ثم أتى بفريق يفترض أن كل عناصره من الصقور ودعاة الحرب والعنف ولكنه تحوّل هذه المرة إلى حمامة.

وفي الشأن الإيراني فأن ترامب هو الذي جنا على نفسه بتمزيق الاتفاق النووي الذي أشرفت عليه آخر إدارة أمريكية بمعية أكبر خمسة دول في العالم، ووضع قائمة طويلة بالمطالب التي يجب على الإيرانيين تلبيتها عبر مفاوضات جديدة وتحت عقوبات اقتصادية قد تكون الأشد من نوعها في التاريخ السياسي المعاصر، وعندما أبلعه الإيرانيون الموس صار يهذي سياسياً مرة بتصفية إيران عسكرياً ومرة أخرى بجعل إيران بنفس نظامها السياسي ايقونة العالم إذا ما قبلوه صديقاً وحليفاً، ولم يظل أحد إلا ما توّسل به ترامب لمقابلة أي مسؤول إيراني فوّسط الخليجيين والعرب والألمان واليابانيين وأخيراً الانجليز، ولا يستبعد أن يستنجد بالرئيس الروسي لإنزاله من على الشجرة التي تسلقها بنفسه.

هذه الشخصية تعيش كابوساً بين سندان المحرضين لدخوله حرب لا يمكن التنبؤ بنتائجها ومطرقة محاصريه ممن يكبحون جماح مجازفاته، وتقلّب الرجل يصعّب أي تحليل أو استشراف لقراره الذي قد يتبدل كل نصف ساعة، مع أن طريق الخلاص واضح ويتمثل في تراجعه عن انسحابه من الاتفاق النووي ورفع العقوبات التي من شأنها أن تقابل بإيجابية من الإيرانيين وعندها يرتاح ويريح العالم من شره!