الثلاثاء 29 يوليو 2008

ثورة البنغال على الغترة والعقال!

د. حسن عبدالله جوهر

الإضرابات التي تشهدها بعض المرافق الحيوية في الدواة كمحطات الوقود والمستشفيات ناهيك عن الكثير من الشركات الخاصة يمكن أن تطول مراكز أكثر حساسية وخطورة كالمطار ووزارتي الداخلية والدفاع، وتعتبر الجنسية البنغالية هي أساس مثل هذا التحرك الاحتجاجي.

وبصراحة فأن العقلية الكويتية التي تدير شؤون العمالة في البلاد هي التي أوصلتنا إلى هذا المستوى الذي يمكن أن يقال عنه بـ “الدوني”، وما نراه اليوم نتيجة طبيعية من الفساد المنظم والمستمر في آلية تنظيم إقامة العمالة الوافدة على امتداد ثلاثة عقود من الزمن وخاصة ما يتعلق بالجالية البنغالية الأرخص على الإطلاق.

وعلى الرغم من أن قصة العمالة البنغالية كانت مفضوحة منذ زمن طويل إلا أن المصالح المغرية بين طياتها كانت كفيلة باستمرارها بروح من التحدي والإصرار، وحتى نقرب المعنى للقارئ يكفي أن نستشهد بهذا المثل:

عقد حكومي قوامه ألف عامل لمدة سنتين تحسب فيه كلفة العامل 250 دينار أي ما مجموعه مليونين ونصف دينار، ومن هذا الرقم فأن نصف هذه العمالة فقط يعين على المشروع وبراتب 20 دينار لا غير، أي أن إجمالي رواتب جميع هؤلاء العمال طوال فترة المشروع يكون 250 ألف دينار، ومن أجل الاستيلاء على أعلى منفعة من ميزانية المشروع فأن نصف هذه العمالة ترمى في الشارع لتستقطبها التوظيف غير الشرعي أو تترك لتنجر إلى هاوية الجريمة والدعارة، وصاحب المشروع في النهاية يحصل على مليونين دينار كصافي الربح من الأموال العامة!

ولا نحتاج أن نستدل بمستوى خدمات النظافة والاستخدامات المختلفة لهذه العمالة البسيطة في الكثير من مرافق الدولة، فالكثير من هؤلاء العمال يقومون بالأعمال الإدارية والفنية بدلاً من الموظفين الحكوميين.

ومن المؤكد أن تتعاظم مثل هذه المأساة إذا ما استمرت هذه العقلية التي تقف خلفها المصالح الفردية ممن باتوا يديرون وزارة الشؤون من الرأس وحتى أخمص القدمين، وحيث يسيل لعاب الكثيرين للدخول في هذا الربح الكبير دونما عناء مع توسع الدولة في مشاريعها الكبرى القادمة تحت عنوان التنمية “المسكينة”!

أما التعامل مع هذه الشريحة العمالية فحدث ولا حرج، ولا نحتاج إلى تقارير لجان حقوق الإنسان لتأكيدها رغم التبجح الحكومي الكاذب في الاستمرار بالنفي، فالعمالة البسيطة في الكويت تعاني من أبشع انتهاكات حقوق الإنسان وعلى مدى واسع حيث يعيش الأغلبية العظمى من العمال في حالة من الجحيم وبلا رحمة ولا كرامة وبظلم غير محدود.

ويكفي فقط أن نتخيل الآلاف من البشر يرغمون على السكن في أوكار جماعية ولا تصرف لهم رواتبهم التي لا تتجاوز أصلاً 30 دينار شهرياً لمدد قد تزيد على نصف العام.

أليس من حق هؤلاء الاحتجاج والإضراب؟ وهل التعبير عن الرأي والغضب والكرامة الإنسانية حرام على البنغال في مقابل الغترة والعقال؟

ونصيحة للأخ الفاضل وزير الشؤون بالحذر من المحاولات الجديدة الرامية لاستغلال الظروف المتوترة من أجل تمرير فكرة إلغاء نظام الكفيل وحصرها في مجموعة شركات تتولى ذلك، فمجرد تسريب هذه الفكرة يا معالي الوزير وصل عدد طلبات فتح مثل هذه المكاتب إلى أكثر من 300 طلب، والحل الذي يستحق الدراسة في هذا الشأن هو إنشاء هيئة عليا للعمالة تابعة لمجلس الوزراء وبإشراف وزير الشؤون تقوم بإصدار فيز الدخول وتصاريح العمل مقابل رسوم محددة يعود ريعها للميزانية العامة وتحدد رواتب العمال تبعاً لخدمتهم ومؤهلاتهم وتقوم الشركات بعد ذلك بتوظيفهم داخل الكويت عن طريق هذه الهيئة.