جديد الشهادات المضروبة!

02 أكتوبر 2015

د.حسن عبدالله جوهر

تعود قضية الشهادات المضروبة إلى السطح ولكن هذه المرة عبر بوابة الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، حيث تم تشكيل لجنة لمتابعة وفحص الشهادات العليا التي حصل عليها بعض الموظفين والأكاديميين في الهيئة وترقوا على إثرها في مناصب قيادية عليا على حساب نظرائهم إخلالاً بمبدأ العدالة والإنصاف، حيث تحوم الشكوك على صحة هذه الشهادات وافتقادها إلى أبسط المعايير العلمية والأكاديمية، وبالتأكيد فأن لجنة التحقيق في التطبيقي سوف تفتح الباب أمام مؤسسات أخرى في الدولة تعاني من نفس الداء، وكالعادة فأن التراشق الكلامي وحرب الانترنت والاتهامات المتقابلة في هذه القضية وكغيرها من قضايا المجتمع تأخذ أبعاداً عميقة في بعدها السياسي والشخصي على حساب الموضوعية العلمية وتشخيص مكمن المشكلة وأسبابها والتعامل مع تبعاتها.

بالتأكيد ليست الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب هي الجهة الوحيدة في الدولة التي تم اختراقها ليس فقط بالشهادات المزورة وعديمة الوجود أصلاً، بل أنه تم صرف مبالغ هائلة لبعض حملتها كرسوم دراسية ومخصصات مالية وبدلات عمل، واليوم مناصب قيادية تحت غطاء بعثات معتمدة على حساب الدولة، ولكن هيئة التطبيقي تبقى جهة مهمة ومنبع رئيسي للتعليم والتدريب وتهيئة شباب وشابات الكويت للالتحاق بسوق العمل في القطاعات الحرفية والمهنية، ولذا فأن افتقار الكادر التدريسي والتدريبي لأبسط المعايير العلمية والكفاءة الوظيفية هو نذير شؤم لمخرجات هذه المؤسسة الكبيرة وكارثة بحق سوق العمل، علماً بأن المخرجات هي أساساً في غاية الضعف والارتباك!

لذلك فأن انتقاضة إدارة الهيئة وبدعم مباشر من وزير التعليم العالي لاقتحام هذا الملف يعد عملاً وطنياً، وشجاعة تستحق المساندة والتأييد لأن موجة الاعتراضات والتأليب السياسي لهذا الموضوع سيكون أيضاً عالياً بقدر الألم المنتظر لأصحاب الشهادات المضروبة.

أن ما تعانيه الهيئة اليوم مؤشر مهم ذو اتجاهين، يعكس أولاهما حجم التقاعس الحكومي وجهات الابتعاث فيما يخص متابعة الشأن التعليمي ومقدار الفساد المتفشي في مختلف الأجهزة والهيئات الرسمية، بينما يعكس المؤشر الآخر حجم مأساة الشهادات المضروبة على مستوى البلد إذا أخذنا بعين الاعتبار بقية الوزارات ودرجات التعليم الجامعي على مستوى البكالوريوس والماجستير وعشرات الآلاف من الحالات التي حصلت على مثل هذه الشهادات على حسابها الخاص!

التعليم لا شك مهمة مقدسة يحرص عليها الدين والمنطق الإنساني وضرورات التنمية المستدامة في أي مجتمع، والتعليم الذاتي لا يقل أهمية عن ذلك، فالمواطن حر في اختيار التعليم الذي يناسبه ويلبي طموحه الشخصي، وجودة التعليم وأمانة التحصيل الدراسي قضية تخص الإنسان نفسه وضميره، ولكن المشكلة في الكويت أن الشهادة هي إحدى متطلبات العمل الحكومي والتدرج في سلّمه، وكثير من الناس يفكر بدراسته وتخصصه على مزاجه الخاص، وهذا حق شخصي ودستوري لا ينازعه عليه أحد، ولكنه أن يفرض شهادته ومنصبه رغماً على الدولة ومن فيها فهذا أمر مرفوض، خاصة إن كانت هذه الشهادة مجرد وهم وأداة من أدوات الحيلة التي لا يحلو اللعب بها مع الأسف إلا في الكويت!