جرح سياسي في البحرين!

24 يونيو 2016

د. حسن عبدالله جوهر

مملكة البحرين قطعة منا، نحبها كما نحب بلدنا، وطالما كانت نسخة من الكويت في مسيرتها التاريخية وتطورها السياسي وتنوعها الاجتماعي، كما أنها مرآة تعكس روح التسامح والتعايش المشترك منذ عصر جشوبة العيش والكفاح مع البحر وحتى الأمس القريب، ولعل طيبة أهل البحرين هي التي تملي على الجميع احترام وتقدير هذا الكيان الصغير والعميق بمشاعره وأحاسيسه، لذلك نهتم بالشأن البحريني الذي أصبح بدوره نسخة مكررة لحالتنا الكويتية السلبية على الصعيد السياسي والاجتماعي مؤخراً مع الأسف الشديد.

تعطيل الحياة النيابية والتلاعب بالنظام الانتخابي والملاحقات القانونية للمغردين والنشطاء الحقوقيين وقمع المظاهرات التي تنادي بالمشاركة السياسية والحكومة المنتخبة وحبس المؤيدين لها مشاهد تكررت عندنا كما تكررت ردود الفعل عليها من منطلقات طائفية بحتة وإن كانت في اتجاه معاكس حيث المعادلة البحرينية تختلف في تركيبتها عن نظيرتها الكويتية.

أحدى أدوات الضغط السياسي التي تم اللجوء إليها في البحرين، وأيضاً كما هو الحال في الكويت، هو إسقاط الجنسية وسحب المواطنة، في روح انتقامية وانتقائية واضحة، وهذه سابقة في منتهي الخطورة أن تتفرد الحكومات في تقدير حق المواطنة والتعامل معها ليس كأصل حقوقي أو مبدأ دستوري وإنما وفق مستويات الولاء الشخصي، وإذا سُمح للحكومات بالتفرد في استخدام هذا السلاح فعلى دولة المواطنة والمؤسسات الدستورية والقانون العام ألف سلام.

الشيخ الجليل عيسى قاسم أحمد الرموز الوطنية النادرة في تاريخ البحرين الحديث، وأحد القامات السياسية والدستورية الذي تم انتخابه في المجلس التأسيسي لإعداد دستور البحرين بعد الاستقلال وكان من أوائل النواب المنتخبين في المجلس التشريعي، وتولى منصب نائب الرئيس، فكان باختصار من مؤسسي النظام السياسي البحريني وأحد أقطابه حتى وقف العمل بالدستور في البحرين في منتصف سبعينيات القرن الماضي، تماماً مثلما حدث عندنا في الكويت فعطلّت الحياة الديمقراطية برمتها، واستكمل الشيخ قاسم بعد ذلك دراسته في العلوم الشرعية تاركاً العمل السياسي حتى بلغ مرحلة الاجتهاد في الفقه ليصبح في مصاف المرجعيات الدينية الرئيسية بالنسبة للشعب البحريني.

الشيخ عيسى قاسم من البحارنة العرب وتمتد جذوره وأصوله إلى حضارة دلمون، ولذلك فأن إسقاط الجنسية وسحب المواطنة من هكذا إنسان ليست انتقاصاً من شخصيته الكريمة فحسب، وإنما إهانة للبحرين كبلد وتاريخ وشعب ومؤسسات، وإنها من سخريات القدر أن يتشمت ويتغنى لسحب جنسية الشيخ قاسم من طبّل ورقّص فرحاً وهو يعرف موقعه الحقيقي من الإعراب، وقد ينتشي الشامتين عبر الآلة الإعلامية وعلو صوت المتجاهرين بالعصبية الطائفية لهذا الإجراء الذي ينسف قواعد القانون، ولكنها بالتأكيد سوف يكون الندم آجلاً أم عاجلاً ثمناً لهذه القرارات المتعسفة.

نعم الشيخ قاسم يمثل معارضة سياسية شرسة للحكومة، حاله في ذلك ليست المعارضات السياسية في أرقى ديمقراطيات العالم، ولكن مثل الحالة الكويتية، ولكن في زمن يتغير المنكر إلى معروف والمعروف إلى منكر، نتساءل من الذي يجب أن يحاسب؟ من يدافع عن الدستور أو من ينقلب عليه؟ من يدعو إلى المشاركة الشعبية والتمثيل البرلماني والحكومة المنتخبة أم من يدعو لمجلس صوري ومعيّن تبعاً للمصالح الضيقة؟ من يدعو للحريات وصون بلده من أيادي الفاسدين والعابثين وأصحاب الكروش المنتفخة على حساب الوطن أم من يتلذذون بتحول الشعوب الأصيلة إلى غرباء في عقر دراهم؟

القضية ليست سحب المواطنة من إنسان أو إسقاط جنسية الشيخ عيسى قاسم أو غيره من أهل البحرين أو حتى في أية دولة في الخليج، ولكنها تمثل مأساة حكومات تسحب نفسها من شعوبها، لكنها بالتأكيد سوف تتحمل نتائج مثل هذا الجرح السياسي!