جنازة بومبيو!

18 يناير 2019

د. حسن عبدالله جوهر

يستمر التخبط الأمريكي في الشرق الأوسط تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي يترنح سياسياً في واشنطن وتتراجع شعبيته حتى في وسط جماهير الحزب الجمهوري نفسه، ومع ذلك لا زال البعض في المنطقة العربية يحسب له حساب كزعيم عالمي، وإن تحول إلى شخصية كارتونية وكاريكاتيرية هزيلة.

جولة وزير الخارجية الأمريكي بومبيو للمنطقة العربية تعكس حالة التيهان في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، فبعد فشل تشكيل الناتو العربي، تحاول الإرادة الأمريكية الترويج لفكرة حلف وارسو، الذي سقط سقوطاً مروياً مع انهيار الإمبراطورية الشيوعية، وتسعى واشنطن لإحيائه هذه المرة ولكن لمواجهة إيران.

الوزير الأمريكي زار ثمان دول عربية لضمها إلى هذا المحور، لكنه ألغى محطته الأخيرة إلى الكويت بحجة حضور جنازة في الولايات المتحدة، ويتساءل البعض حول تفسير هذه الحركة الدبلوماسية الرعناء، والتي قد تحمل دلالتان، الأولى الامتعاض الأمريكي من فشل حكومة ترامب في إلغاء الاتفاقيات التي وقعتها دولة الكويت مع الصين في إطار شراكة استراتيجية طويلة المدى، حيث جاء الرد الكويتي بزيارة النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء إلى بكين لتأكيد التزامات الجانب الكويتي.

الدلالة الثانية تتمثل في الموقف الكويتي تجاه أمن الخليج وتفضيل أسلوب الحوار والدبلوماسية الناعمة مع إيران بدلاً من التصعيد السياسي والعسكري وهو الخيار الذي يضغط الرئيس ترامب من أجله، إضافة إلى التنسيق الأمني مع تركيا وبريطانيا وليس الولايات المتحدة.

ولكن هل يستحق رد الفعل الكويتي مثل هذا التصرف الأمريكي؟ الحقيقة أن جولة بومبيو فشلت بعدما تلقت إشارات واضحة من كل من مصر والأردن وسلطنة عمان وحتى قطر بعدم التحمس لخيار المواجهة مع ايران، خاصة أن الملفات الإقليمية الدامية في سوريا واليمن والعراق بدأت تسير نحو الانفراج، كما أن الموقف الأمريكي بدأ يفقد مصداقيته وهيبته في دعم حلفائه وآخر أمثلة ذلك الانسحاب من سوريا وترك الأكراد في العراء والرضوخ للمطالب التركية، وأخيراً فأن عنجهية الولايات المتحدة قد تجاوزت كل خطوط اللباقة ومفاهيم الشراكة، فدونالد ترامب يحاول أن يكون هو الآمر الناهي في ضخ أموال الخليج من جهة والجيش المصري والاردني من جهة أخرى في الحرب ضد ايران ولبنان وفلسطين دون أن يتحمل دولاراً واحداً أو جندياً أمريكياً، فقط من أجل مصالح إسرائيل في المنطقة.

الإدارة الأمريكية تريد أن تشعل المنطقة الخليجية برمتها، لكنها أجبن أن تكون في أرض المعركة، فها هي تنسحب من اليمن أمام أفقر شعوب العالم، وها هي تهرب أمام داعش وهي في أضعف حالاتها، ومنذ مجيء ترامب كانت معظم الصفقات الأمريكية مع الخليج عسكرية ولم تتضمن أية علاقات تجارية أو في التقنيات الحديثة، وحتى البترول الخليجي لم يعد له وجود في السوق الأمريكية.

الموقف الكويتي فعلاً أذكى المواقف العربية حالياً، ولعل هذا سبب إلغاء زيارة بومبيو لأنه لن يقبض شيئاً، خاصة بعد سلسلة الفتاوى الدينية التي دعمت الموقف الرسمي في عدم إقحام المنطقة في بحر جديد من الدماء، فجنازة بومبيو في الحقيقة هي مشروعه الميت في وارسو، فذهب ليواري جثمانه الثرى في واشنطن!