حتى لا تموت الطليعة!

13 ديسمبر 2015

د. حسن عبدالله جوهر

الحكم القضائي بتصفية جريدة الطليعة وبالتالي إنهاء وجودها في عالم الصحافة الكويتية أمر يبعث على الحزن الشديد وبلا شك يصيب الحرية الصحفية في مقتل، لكن هذه هي سنة الحياة كون صاحب الامتياز ومالك الصحيفة المرحوم سامي المنيس قد انتقل إلى جوار ربه وآلت الملكية إلى ورثته بحكم الشرع والقانون.

جريدة الطليعة كانت طوال مسيرتها منبراً للقلم الحر والكلمة الجريئة التي لم يملك شجاعتها إلى القليل، وكانت صوت من لا صوت له، ولذا انفردت بالمقدمة دائماً ودفعت ثمن مواقفها، رغم تواضع الإمكانيات، بين الإغلاق والتعطيل والتهديد، لكن هذه التحديات لم تثنيها والقائمين عليها من الاستمرار في ذات النهج وكشف المستور عن الكثير من التجاوزات وفضح قصور ومخالفات المسؤولين في الدولة بكل شفافية حتى باتت مصداقية الطليعة محل احترام وتقدير محبيها وخصومها.

الطليعة مثلت الخط الوطني الكويتي وساهمت في إثراء الحالة الديمقراطية منذ انطلاقتها بعد الاستقلال، فكانت المنبع الفكري والإرث الثقافي لهذه الديمقراطية والموازي لديمقراطية المؤسسات، ورغم جذورها القومية وأيديولوجيتها العلمانية كانت الطليعة ذات صبغة وطنية وكويتية الهوى ومستقلة في الرأي والموقف، وتحولت إلى الملاذ الأخير للمحافظة على حرية الإعلام بل اختزلت فيها الديمقراطية الكويتية برمتها عندما تم وأد الدستور ووقف العمل بمواده وعلقت الديمقراطية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، فحفظت سمعة الكويت وديمقراطيتها وحرية التعبير فيها في الداخل والخارج، وتأذى منها ومن مشاغباتها السياسية مقص الرقابة طوال مسيرتها المهنية.

اسم الطليعة ارتبط بالمرحوم سامي المنيس فكانت قرينه من حيث ثبات الموقف ونظافة اليد والتواضع والشجاعة في قول كلمة الحق، وليس من المستغرب أن تموت الطليعة بموت سامي المنيس طالما ولدا معاً وترعرعا معاً وكبرا معاً وماتا معاً.

لكن كما سامي المنيس ترك جيلاً من أتباعه في ميدان السياسة وممن خلفوه في المجالس التشريعية، فقد تركت الطليعة إرثاً كبيراً في ميدان الصحافة والعمل الصحفي من كتاّب ومحررين ومحللين نهلوا من نفس الجرأة وعكسوا ذات الشجاعة في الرأي والقلم.

يجب أن لا تطوى صفحة الطليعة إلى الأبد، فالطليعة تمتلك البنية التحية كصناعة صحفية ولها نهجها الإعلامي وجنودها من الطاقم الصحفي ولا ينقصها سوى حفنة من الدنانير كنواة لإقامة مشروع إعلامي صحفي قائم على فكرة المؤسسة وليس الأشخاص، وتتحول إلى مؤسسة وقفية دائمة وقابلة للاستمرار، ويكون لسانها الناطق صحيفة جديدة أتمنى أن تحمل اسم “سامي المنيس”.