حسافة على الزراعة؟

16 يناير 2015

د. حسن عبدالله جوهر

سياستنا الخارجية حافلة بأدوات دبلوماسية مهمة خاصة فيما يتعلق بالإنفاق المالي، قالمساعدات الاقتصادية وقروض الصندوق الكويتي والمنح والهبات من الصور العديدة التي تعد كجسور في ربط علاقاتنا مع مختلف دول العالم، ولكن تبقى عوائد هذه الدبلوماسية شحيحة على دولة الكويت مقارنة بحجم هذه الإنفاقات الضخمة.

من أمثلة عدم استثمار الحكومة لدبلوماسية الدينار مساهمات الدولة في المنظمات الحكومية الدولية، ففي زيارة لوفد طلابي من قسم العلوم السياسية لجمهورية النمسا رتبت لنا سفارة دولة الكويت في فيينا مشكورة جولة تفصيلية لمختبرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية من بين برنامج رائع، وهذه الوكالة تضم عدد كبير من المعامل الفنية الحديثة التي تتبابع القضايا والموضوعات ذات الصلة بأخطار الإشعاعات النووية وكذلك الاستخدامات الإيجابية لها في كجال العلاج وتطوير الثروة النباتية والحيوانية.

أشاد المسؤولين على هذه الوكالة الأممية بإسهامات دولة الكويت السخية في دعم مشاريعها وبناء مختبراتها، واعتبروا أنها نموذجاً رائداً في التزاماتها تجاه المجتمع الدولي، وهذا بالتأكيد مصدر إعتزاز لنا جميعاً.

 لكن ما فاجأني حقاً أن الوكالة الدولية للطاقة تقدم خدمات علمية وفنية غاية في الأهمية وبدون أي مقابل للدول الأعضاء، ومن بين ذلك التطوير الجيني في كل   لأنواع الزراعة بما يتناسب مع طبيعة التربة والمناخ لكل دولة على حدة وبحسب طلبها، لدرجة أن الوكالة تعد الشتلات النباتية جاهزة لزراعتها فوراً، ورغم هذه الخدمات المجانية لم تتقدم الحكومة أو الجهات التابعة لها وعلى رأسها الهيئة العامة للزراعة بأي طلب من هذا النوع مع العلم أن التخضير يجب أن يكون على صدر أولوياتنا كما تعلن الحكومة دائمأ.

فكرة التعاون مع وكالة الطاقة الذرية لا تخدمنا فقط في برنامج التخضير ومواجهة تحديات التصحر والجفاف والحرارة والغبار، بل تشكل حجر أساس في موضوع الأمن الغذائي، حيث القدرة الكبيرة على زراعة كل أنواع الفواكه والخضروات بل حتى الانتقال إلى تربية وتطوير الثروة الحيوانية.

المفارقة المحزنة هي أن الدولة قامت بتوزيع مئات الملايين من الأمتار المربعة على شكل مزارع وحضائر ومناحل وغيرها وبشكل تحوم حولها شبهات الفساد والتنفيع، ومن جهة أخرى تدفع مئات الملايين لدعم المنظات الدولية دون الحصول على خدماتها ولو المجانية، أي أن هناك خسائر مركبة من الجهتين.

لنتصور أن هذين المسارين تم التصرف بهما بروح مسؤولة ووفق رؤية عقلانية تأخذ بعين الاعتبار المصلحة الوطنية كيف سيكون حالنا؟ لذا نأمل من الأخ الفاضل النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية أن يأخذ مثل هذا الأمر على محمل الجد ففي ذلك الخير الكثير لبلدنا التي باتت تعاني وتستزف من كل حدب وصوب!

.

تها؟

أسئلة مهمة تطرق الأسماع بينما أسعار النفط الخام تسقط سقوطاً ذريعاً،  فقد خسر برميل النفط أكثر من نصف قيمته خلال شهرين فقط، وفي حالة استمرار السعر الحالي عند 60 دولاراً للبرميل فإن الخسارة الحقيقية لدول الخليج مجتمعة سوف تبلغ مليار دولار يومياً وهذا رقم مخيف حقاً.

المصيبة الكبرى لا تكمن في هبوط أسعار النفط فحسب، فهذه سلعة تخضع لقوى السوق، ولو أن دولاً خليجية تعمدت خفض الأسعار كعقوبة سياسية نيابة عن الولايات المتحدة وحلفائها ضد كل من روسيا وإيران، ولكن يبدو أن الأمور قد خرجت عن السيطرة وبات صراخ الخليجيين لا يقل في عويله عن الروس والإيرانيين.

هناك مصيبة أخرى قد لا يفطن لها الكثير من الناس وهي الصناديق السيادية لدول الخليج، وهي  عبارة عن مخزون ضخم من الأموال جلها تراكم من مبيعات النفط أيام عزة، وتستثمر في مختلف القطاعات المالية والاقتصادية في الولايات المتحدة بشكل خاص، وعوائد الإستثمار من هذه الصناديق قد تكون صمام أمان كبير لتغطية العجوزات المالية الفادحة التي تعصف بموازناتنا السنوية، إلا أن هذة الصناديق تبقى لغزاً محيراً، فلحد الآن يكتنف الغموض والسرية حجم الأموال والأرصدة إذ يقدرها البعض بأربعة تريليونات دولار لمجموعة دول مجلس التعاون مع الحصة الأكبر لكل من السعودية والإمارات، بينما تحددها مصادر أخرى بـ 2.5 تريليون دولار أي أن الفوارق في التقديرات عظيمة جداَ.

مثلما هو الحال مع النفط فإن الصناديق السيادية لا تخلو من مشاكل حقيقة، في عام 2008 وبسبب أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة والتي امتدت لتكون أكبر أزمة مالية في التاريخ البشري، خسرت الصناديق الخليجية حوالي 30% من أصولها، واليوم تستمر حالة الركود الإقتصادي في الغرب بينما الولايات  المتحدة قد تدخل في خانة العجز، فإذا كانت كل أرصدتنا بالدولار الأمريكي، وهي العملة الوحيدة التي لا تغطيها عملة صعبة أو الذهب أو البترول لأنها مجرد أوراق عادية مطبوعة، فقد نقول لصناديقنا السيادية الوداع، وحتى في حال مطالبتنا بها قد لا تسمن ولا تغني من جوع، ومثل هذة التحذيرات أطلقتها مؤسسات اقتصادية عالمية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، فليراجعها وزراء المالية والنفط والتجارة ورؤساء الحكومات الخليجية قبل أن تبلع أمريكا أموالنا وتشرب عليها نفطنا أيضا!